الصفحة 137 من 157

ليُثبت بذلك صدق نبوة رسوله، باستخدامه للتاريخية لإثبات لا تاريخية القرآن الكريم، و نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

و رابعا فإن من مظاهر لا تاريخية القرآن إنه اخترق الزمان و المكان و المجاهيل، فاخترق تاريخ الكون و الإنسان، من النشأة إلى زمن الرسول-عليه الصلاة و السلام. و اخترق المستقبل عندما تكلم عن مستقبل الكون و الإنسان و مصيرهما. و اخترق المجاهيل عندما تكلم عن طبيعيات الفضاء و الأرض، و أحوال الجنين في بطن أمه، تكلّم عن كل ذلك بطريقة علمية معجزة مذهلة، في زمن كانت تُسيطر عليه الخرافات و الأساطير، و الأوهام و الظنون و التجريدات النظرية، فلم يقع في أخطاء ذلك الزمن، و لم يكن صدى له، و جاء بما لم يكتشفه الإنسان إلا بعد الثورة العلمية في القرن 19 و ما بعده. و قد صُنفت في ذلك الموضوع كتب كثيرة متخصصة، و أصبح من الأمور الثابتة المسلم بها، و قد أُنشئت له هيئة عالمية رسمية مقرها بمكة المكرمة، تولت الاهتمام بالإعجاز العلمي في الكتاب و السنة، على أيدي نخبة من كبار العلماء المسلمين المختصين في مختلف العلوم الحديثة.

و من اختراقاته أيضا إنه اخترق مستقبل العلاقات بين المسلمين و أهل الكتاب، فقد تكلم عنها القرآن الكريم صراحة في قوله تعالى: - {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} - سورة البقرة/120 - ، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} -سورة المائدة/51 - . و قد تحقق ذلك في الماضي و الحاضر، ابتداء من زمن النبوة إلى عصر العولمة الغربية، مرورا بالحروب الصليبية و الاستعمار الحديث، و النصارى هم الذين فعلوا ذلك. و هم الذين صنعوا دولة اليهود، و هم الذين يحمونها، و يتعاونون معها، و يُدافعون عنها، و يفرضون على المسلمين شروطهم بالتعاون مع اليهود، أمام ضعف المسلمين و سلبيتهم و خوفهم و ابتعادهم عن دينهم مصدر عزتهم. فاليهود و النصارى متعاونون فيما بينهم على ضرب الإسلام و المسلمين، و هذا الذي نص عليه القرآن في تاريخه المستقبلي و تحقق فعليا، الأمر الذي يُؤكد مرة أخرى على لا تاريخية القرآن، و لا تاريخية نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-، فلا هو كان إفرازا لمجتمعه، و لا القرآن كان انعكاسا لوسطه و عصره. لكن هشام جعيط غارق في أوهامه و خرافاته و لا يعي ما يقوله، أو أنه يتعمد قول ذلك، تعصبا و جحودا.

و أماالجابري فإنه عبّر عن فكرة التاريخية و طبّقها على القرآن بطريقته الخاصة، فلم يُسميها التاريخية، و إنما ادخلها أخلها ضمن مفهومه لما يُسميه بمعود العرب. فهو قد أيد الرأي الذي يرى أن فهم القرآن محصور (( ضمن معهود العرب، أي ما يُشكل قوام حياتهم الروحية، و الفكرية، و الاجتماعية، حجتهم في ذلك أن القرآن جاء يُخاطب العرب ليفهموه، و أنه لابد -تبعا لذلك- أن يكون خطابه بلغتهم، و في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت