الصفحة 142 من 157

أنه أخفى عن الناس إطلاعه عن كتب أهل الكتاب و قال لهم أنه نبي مرسل من عند الله. و عندما أتهمه أيضا بأنه غيّر اسمه من قُثم إلى محمد ليُوافق ما في انجيل يوحنا. و زعم أن القرآن تعرّض للتحريف. أليس هذا طعن صريح في القرآن و نبي الإسلام؟،و أليس هذا نقض لزعمه بأنه لا يمس بالمقدسات الإسلامية و الذات النبوية؟،و أليس عمله هذا هو محاولة لهدم دين الإسلام من أساسه؟، و أليس عمله هذا هو افتراء على الله و رسوله، و التاريخ؟!.

و أما قوله بأن العلم يحاول تفسير الأمور لا أن يحكم عليها، فإن جعيطا قد نقض ذلك تماما عندما أهمل العلم، و تشبّث بالظنون و الأوهام و الخرافات في اتهامه للنبي -صلى الله عليه و سلم- بأنه تأثر بكتب أهل الكتاب، و أنه غّير اسمه، و أن القرآن تعرّض للتحريف. إنه لم يستخدم العلم و إنما استخدم الخرافة ليصل إلى ما خطط له سلفا، و قد تتبعنا معظم مزاعمه و خرافاته، و بينا أن الرجل كان كثير التحريف و التخريف و التغليط، و كانت له مواقف كثيرة ليست من العلم و لا من الموضوعية و الحياد العلمي في شيء.

و ثانيا إنه زعم أن البحث العلمي ليكون نزيها، على صاحبه أن يترك قناعاته جانبا، و على المؤرخ المسلم أن يضع قناعاته الدينية بين قوسين، عندما يدرس بزوغ الإسلام، لأن الحقائق الدينية (( يتناولها بالوصف و التحليل، بالبحث في التأثيرات و التطورات، و يضعها في لحظتها التاريخية من دون الالتزام بالمعنى الإيماني، و إلا بطل البحث، و هو دائما خارجي، لا يهتم إلا بالظواهر، و ليس بالحقائق العليا ) ) [1] .

و قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأنه أولا لا شك أنه يجب على كل باحث -في كل مجلات المعرفة- أن يكون موضوعيا نزيها حياديا ملتزما بالمنهج العلمي الصارم في كل بحوثه و لا يتبع الأهواء و الظنون و التعصبات،،و لا يتعلق بالخرافات و الأكاذيب، و عليه الالتزام بالدليل العلمي و الأمانة العلمية في كل أحواله. فهذا أمر لابد من توفره في من يريد أن يكون باحثا علميا نزيها.

و أما ما ذكره جعيط عن قناعات و عقائد الباحثين بأن يتركوها جانبا في بحوثهم العلمية، و على الباحث المسلم أن يضع قناعاته بين قوسين، في دراسته لظهور الإسلام و تطوّره. فإن الأمر ليس كما ذهب إليه، لأن قناعات الإنسان لها أصول تقوم عليها، و لها فروع تنبني على الأصول، و تتمثل في نشاطات الإنسان الفكرية و السلوكية. فإذا كانت الفروع تعوق الباحث على أن يلتزم بالبحث العلمي الموضوعي النزيه، كأن تأمره بالكذب، و التحريف، و اختلاق الأكاذيب، و كتمان الحق، و إنكار الحقائق و جحودها، كالذين وصفهم الله تعالى في قوله: (( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ) )-النجم: 23 - و (( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ

(1) نفس المرجع، ص: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت