فهرس الكتاب
يُبطل هذا الاستدلال الدامغ، فطرح تفسيره الخرافي لظاهرة التشابه و التوافق، ففشل فيه، و أخفق إخفاقا كبيرا، و لم يستطع أن يقدم دليلا صحيحا و لا ضعيفا لتأييد زعمه، و بقي التفسير القرآن قائما قويا دامغا مُعبرا عن دلائل النبوة و الإعجاز معا.
و أُشير هنا إلى أمر هام جدا، يتعلق ببعض التوافق الموجود بين القرآن الكريم، و كتب اليهود و النصارى، فهو توافق طبيعي و ضروري، بحكم أن مصدرها واحد هو الله تعالى، لكن أهل الأهواء -كجعيط و أمثاله- لهم منطق معوّج أقاموه انحرافهم و كفرهم بدين الإسلام. فزعموا أن ذلك التوافق مصدره التأثيرات الكتابية في محمد- عليه الصلاة و السلام-، من دون أن يقدموا أي دليل صحيح و لا ضعيف لتأييد زعمهم، و لم يتعلقوا إلا بالظنون و الخرافات، و لو لم يُوجد ذلك التوافق لقالوا أيضا: لو كان محمد نبيا حقا لذكر لنا أخبار الأنبياء السابقين، و لبشرت به الكتب السابقة، و لتوافق معها في أصولها. فهذا هو منطق أهل الأهواء، أقاموه على الأهواء و التكذيب، فعندما وجدوا التوافق زعموا انه من التأثيرات الكتابية من دون أي حجة، و إن لم يجدوه قالوا: إن وجوده ضروري لأنه من علامات صدق النبوة!!. و النتيجة واحدة في الأمرين، هي الإنكار و الكفر بدين الإسلام، و هذا هو المنطق المعوَج الذي سار عليه جعيط و أمثاله.
و أخيرا-أي تاسعا- إنه مما يُبطل خرافة التأثيرات الكتابية إبطالا تاما هو أن القرآن الكريم لا يقبل التفسير البشري أبدا، تاريخا و مضمونا. فمهما حاول المنكرون المحرفون للتاريخ إيجاد تفسير بشري للقرآن فلن يجدوه، لأن التاريخ شاهد على بطلان مزاعمهم الخرافية المتعلقة بأصل القرآن، فلم يجدوا أي دليل تاريخي صحيح و لا ضعيف يُؤيد زعمهم، و لم يتعلقوا إلا بالظنون و الأوهام و الأساطير مقابل حقائق التاريخ المتواترة و الصحيحة التي تُبطل مزاعمهم جملة و تفصيلا، و هذا أمر سبق أن ناقشناه و بيناه.
و أما مضمونا فإن القرآن هو أعظم دليل على صدق نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-، فهو شاهد على نفسه بأنه كتاب مُعجز، تحدى الله به الجن و الإنس على أن يأتوا بمثله، فلم يقدروا على رد التحدي إلى يومنا هذا، و سيبقى إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و هو كتاب فريد من نوعه في العالم بأسره، بإعجازه الباهر و منطقه القوي الدامغ و بمحاسنه الحميدة و خصائصه الفريدة. لذا فإنه كتاب لا يقبل التفسير البشري ابدأ، سواء جاء به محمد-عليه الصلاة و السلام- أو جاء به نبي آخر، فالنتيجة واحدة هي إنه كتاب إلهي، لن تستطيع أن تنال منه خرافات هشام جعيط و أباطيله.
و ختاما لما ذكرناه أُشير هنا إلى أن القرآن الكريم وحده كاف لإبطال خرافة التأثيرات الكتابية في النبي-عليه الصلاة و السلام- من أساسها لأنه نصّ على أن رسول الله كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، و لم يكن له أي إطلاع على تراث اليهود و النصارى و لا غيرهم ما البشر [1] . حتى أن الله تعالى قال له: (( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ
(1) سبق ذكر الآيات الدالة على ذلك في الفصلين الأول و الثاني.