الصفحة 119 من 157

صدق نبوته -عليه الصلاة و السلام-. و عليه فإن اتهام رسول الله بأنه تعلم علي يد الكتابين و تأثر بهم و اخذ عنهم، هو اتهام باطل، و لا يقوله إلا المتعصبون المفترون على الشرع و التاريخ و المحرفون لهما، كهشام جعيط و أمثاله، إنه متناقض مع نفسه، مرة قال أن محمدا كان صادقا في دعوته، و مرة أخرى يتهمه بالكذب و التدليس على الناس حسب زعمه!!. إنه حقا متناقض مع نفسه من حيث يدري أو لا يدري.

و ثامنا إن هشام جعيط نفسه ساهم في إبطال خرافته، و إثبات ما قاله في تفسيره للتوافق الموجود بين القرآن الكريم و كتب أهل الكتاب، و ذلك أنه تطرق إلى ذلك التشابه و فسّره بأنه من تأثير أدبيات أهل الكتاب في النبي-عليه الصلاة و السلام- أثناء سفره إلى الشام للتجارة. و بما أن جعيطا لم يقدم دليلا صحيحا و ضعيفا على صحة زعمه هذا، الذي سبق أن بينا بطلانه شرعا و تاريخا و عقلا، فإنه لم يصح مما قاله هذا الرجل إلا أمر واحد هو وجود تشابه و توافق بين بعض معطيات القرآن مع ما في كتب اليهود و النصارى، و هذا أمر صحيح ثابت شرعا و حقيقة، و هو تصديق لما ورد في القرآن الكريم، من أن رسالة نبي الإسلام ليست بدعا من الرسالات الإلهية، و هي الخاتمة لدين الله تعالى الذي أصله و اسمه واحد هو الإسلام. فكان القرآن آخر الكتب الإلهية جاء مُصدقا للكتب التي سبقته، و مهيمنا عليها بخصائص كثيرة انفرد بها.

و بما أن الأمر كذلك، و هشام جهيط فشل في إثبات تفسيره الخرافي لذلك التشابه و التوافق، فإنه لم يبق إلا التفسير القرآني لتلك الظاهرة، و المتمثل في أن سبب ذلك التشابه و التوافق هو وحدة المصدر الإلهي لكل الرسالات السماوية التي كان آخرها نزول القرآن الكريم، لقوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا )) الشورى: 13 - ، و (( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) )-النساء: 163 - ،و (( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) )-المائدة: 48 - . و بذلك يكون جعيط قد ساهم في إبطال زعمه، و إقرار ما ذكره القرآن الكريم، فعل ذلك بإثباته و إقراره لما قاله القرآن من جهة، و بفشله في إثبات خرافته المخالفة للقرآن، ليبقى التفسير القرآني هو التفسير الصحيح من جهة أخرى.

و أُشير هنا إلى أن القرآن الكريم استخدم ذلك التوافق و التشابه الموجود بين القرآن و كتب اليهود كدليل دامغ على صدق نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-، لأنه كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و لم يكن له علم بما عند أهل الكتاب، و مع ذلك فإنه جاء بكتاب معجز تضمن أخبارا كثيرة عن الأنبياء و أقوامهم، فهذا دليل قطعي على صدق نبوة محمد -عليه الصلاة و السلام-. لكن جعيطا أراد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت