فهرس الكتاب
بأنه اكتتب القرآن و أعانه عليه قوم آخرون، لم تتهمه بذلك الاتهام. و مع سهولة هذه التهمة، و خطورتها، وأهميتها لأعداء الإسلام، فإنها لم تُوجه إلى النبي-عليه الصلاة و السلام -، فلماذا لم تُوجه إليه؟، إنهم لم يتهموه بها لأمرين: الأول لأنهم كانوا يعلمون أنها لا تجد آذانا صاغية، ويُمكن إثبات بطلانها بسهولة. و ذلك لأنهم يعلمون أن محمدا كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، و لا طلب علما على يد أهل الكتاب و لا عند غيرهم، و لو كان حاله خلاف ذلك لأظهروه.
و الثاني لأنهم كانوا يرون و يعلمون أن محمدا -عليه الصلاة و السلام- جاءهم بكتاب تحداهم أن يأتوا بمثله، و قد عجزوا فعلا عن الرد عليه، من دون أن يأخذ عنهم حرفا واحدا، و لو حدث ذلك لانكشف أمره، و لسارع اليهود و النصارى و المشركون إلى كشفه و إبطال دعوته. لذلك لم يتهم هؤلاء رسول الله بتلك التهمة، و لم يجرؤ واحد منهم على اتهامه بها، مع توفر الدواعي على اتهامه، فذل كل ذلك على أنها تهمة باطلة، و لا أساس لها من الصحة، و ما هي إلا خرافة تعلق بها أهل الذمة لتبرير كفرهم بدين الإسلام، قالوا بها بعد العهدين النبوي و الراشدي، و أظهروها في العهد الأموي و ما بعده، و يُروى أن أول من أظهرها هو النصراني يُوحنا الدمشقي (ت 132 هجرية) ، فزعم أن محمدا لم يكن مرسلا، و جاء بمذهب منشق عن النصرانية الصحيحة، و جاء بكتاب مُختلق ساعده عليه بعض الرهبان المنشقين عن الكنيسة. و زعم النصراني ثيو فاليس البيزنطي (ت 202 هجرية) أن محمدا أخذ تعاليمه من يهود و نصارى التقى بهم في بلاد الشام [1] .
فالقائلون بتلك التهمة هم المتأخرون من أهل الكتاب الذين لم يُعاصروا العهدين النبوي و الراشدي، قالوا به و أظهروه بعدما ازداد الفارق الزمني بينهم و بين النبي-عليه الصلاة و السلام- و صحابته الكرام. فوجدوا في تلك التهمة الأسطورية مخرجا خرافيا يُعللون به موقفهم من نبي الإسلام و دينه، لأن المانع الذي كان يمنعهم من ذلك، و يكشفهم كذبتهم بسهولة، قد زال بوفاة رسول الله و صحابته الكرام. و هذا الطريق هو الذي سلكه الكافرون بدين الإسلام على اختلاف طوائفهم إلى يومنا هذا، و منهم هشام جعيط. و هؤلاء لم يتمسكوا بتلك التهمة الخرافية لأنها لها ما يبررها من التاريخ و العقل، و إنما تمسكوا بها -على بطلانها- ليُبرروا بها كفرهم بدين الإسلام.
و سابعا إن مما يُبطل خرافة التأثيرات الكتابية، هو انه قام الدليل القطعي الشرعي و التاريخي على أن محمدا-عليه الصلاة و السلام- كان صادقا امينا طوال حياته، و لم تجرؤ قريش على اتهامه بالكذب، و قد سجل ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: (( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) )-الأنعام: 33 - ،و حتى هشام جعيط اعترف بأن محمد كان صادقا [2] ، و بما أنه كان صادقا أمينا مع الناس حتى عُرف بينهم بالأمين، فإنه لن يكذب على الله تعالى، و لا يصح تكذيبه في نبوته لأمرين، أولهما إنه كان صادقا أمينا، و ثانيهما لم يقم أي دليل على بطلان نبوته مقابل الأدلة القطعية الدامغة على
(1) فاروق عمر فوزي: الاستشراق و التاريخ الإسلامي، ط 1، الأهلية للنشر، عمان، 1978، ص: 52.
(2) تاريخية الدعوة المحمدية، ص: 12.