الصفحة 117 من 157

هؤلاء برسول الإسلام و نبوته هو تصديق للقرآن الذي ذكر صراحة أن محمدا مذكورا في كتب اليهود و النصارى، باسمه و صفاته، كقوله تعالى: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) )-الأعراف: 157 - . فإيمان هؤلاء بدين الإسلام هو دليل دامغ على صدق نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-،و على بطلان خرافة هشام جعيط. و لو لم يُؤمن و لا واحد من أهل الكتاب برسول الله، لقال الكافرون بدين الإسلام-قديما و حديثا: لو كان محمد نبيا حقا لآمن به أهل العلم من الكتابيين، لأنهم أهل اختصاص و على علم بصفات النبي الموعود. فلما آمن به كثير منهم أنكشف الكافرون به، و تبين للناس أنههم مُنكرون للحق جحودا و استكبارا. لذا فإن الدليل الذي ذكرناها هو دليل قوي جدا و لا يُستهان به.

و في مقابل هؤلاء المؤمنين نجد موقف المنكرين لنبوة محمد-عليه الصلاة و السلام- من اليهود و النصارى، و هو أيضا دليل دامغ على بطلان خرافة التاثيرات الكتابية المزعومة. و ذلك أن اليهود و النصارى كانوا يأتون إلى رسول الله و يسألونه و يجادلونه في أمور كثيرة، سجّل القرآن بعضها، كقوله تعالى: (( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا ) )-النساء: 153 - ، و (( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) )-آل عمران: 93 - ،و (( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) )-آل عمران: 61 - ، لكن مع ذلك لم يسجل القرآن و لا التاريخ أن هؤلاء اتهموا رسول الله بأنه تأثر بكتبهم، أو أخذ عنهم، أو قرأ كتبهم، أو تربى على يدهم في الشام أو في مناطق أخرى. فمع كفرهم بنبوته و تكفير الإسلام لهم، و بغضهم الشديد له و لدينه، و حرصهم الشديد على إبطال دينه و دعوته، فإنهم لم يتهموه بذلك الاتهام الذي يُمكّنهم-لو كان صحيحا- من إبطال نبوة محمد و تقويض دعوته من أساسها. لكن بما أن ذلك لم يحدث، فإن هذا دليل دامغ على بطلان ذلك الاتهام من أساسه، و لو كان له وجود ما غفلوا عنه، و لو حدث لكان في مقدورهم اكتشافه. و بذلك تسقط خرافة جعيط في قوله بالتأثيرات الكتابية المزعومة.

و أُشير هنا إلى أن تهمة التأثيرات الكتابية في النبي و القرآن الكريم، هي اتهام خطير جدا، و لو صح ما غفل عنه أعداء الإسلام من المشركين و اليهود و النصارى و المنافقين. و هي تهمة كافية لإبطال دين الإسلام، و تقويضه من أساسه، لكن الغريب في الأمر، و المدهش أيضا، أن أعداء الإسلام من المشركين و المنافقين و أهل الكتاب، لم يُسجل القرآن ولا التاريخ أن واحد منهم أو كلهم اتهموا النبي-عليه الصلاة و السلام- بأنه طلب العلم في الشام، و اطلع على تراث أهل الكتاب قبل نبوته، و اكتسب ثقافة واسعة، و حتى قريش التي اتهمته-بعد النبوة-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت