الصفحة 116 من 157

و سادسا إن مما يُبطل قوله بخرافة التأثيرات الكتابية هو أن طائفة من أعيان و علماء أهل الكتاب قد آمنوا بالنبي محمد-عليه الصلاة و السلام-،و هذا قد سجله القرآن و التاريخ معا، فأما القرآن فمنه قوله تعالى: (( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) )-القصص: 55 - ، و (( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) )-آل عمران: 199 - و ((

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا )) -النساء: 162 - ، و (( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) )-الإسراء:108 - 109 - ، و (( وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ) )-العنكبوت: 47 - ، و (( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (الرعد: 36 - و (( ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ، فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ) )-المائدة:82 - 85 - و (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) )-الأحقاف: 10 - .

و أما التاريخ فقد ذكر لنا جماعة من الكتابيين آمنوا بالنبي محمد -عليه الصلاة و السلام-، فمن اليهود: الحَبر عبد الله بن سلام، و زيد بن سعنة، و كل منهما آمن به بعدما عرف صفاته المذكورة في كتبهم [1] . و من النصارى: أساقفة نجران، و أسقف الشام، و صاحب بُصرى، و الجارود بن المعلي العبدي، و سلمان الفارسي، و طائفة من نصارى الحبشة على رأسهم النجاشي ملك الحبشة [2] .

و قد أشار القرآن الكريم إلى أن الراسخين في العلم من أهل الكتاب كانوا من بين الذين آمنوا بالنبي محمد-عليه الصلاة و السلام-، مما يعني أن إيمان هؤلاء كان قائما على الحجة و البرهان، و لم يكن قائما الظنون و الأوهام، الأمر الذي يدل على أمرين هامين: الأول هو أن محمد-عليه الصلاة و السلام- لو كان قد تأثر بأهل الكتاب و أخذ عنهم على حد زعم جعيط، لكان هؤلاء أول من يتنبه له، و يُكذّبه و يكشف أمره، لكن هذا لم يحدث و حدث خلافه تماما. و المر الثاني هو أن إيمان

(1) البخاري: الصحيح، ج 3 ص: 1211. و ابن حبان: الصحيح، ج 1 ص: 521.

(2) البخاري: نفس المصدر، ج 1 ص: 420، 443. و القاضي عياض: الشفا، ج 1 ص: 270. و ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 1 ص:78. أحمد بن حنبل: المسند، ج 5 ص: 441.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت