فهرس الكتاب
محمد، و إلا فلا نرى كمؤرخين حلا للإشكال ... بالنسبة للمؤرخ الموضوعي لا يمكن الانفلات من إقرار هذا التأثير، و هو ليس بالتأثير السطحي، و إنما العميق المستبطن بقوة، و إلا عاد محمد غير ممكن في بلده، و في زمانه، أو وجب على المؤرخ الإذعان و الإقرار بألوهية القرآن مبدئيا، و التوقف عن كل بحث )) [1] .
إنه أفصح عن موقفه بصراحة، إنه يقول بخرافة التأثير الكتابي المزعوم لكي ينفي ثبوت نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-،و إذا لم يقل بذلك فهذا يعني الإقرار بنبوته، و هذا أمر لا يريد جعيط الاعتراف.
و يُلاحظ عليه أيضا انه كرر خرافة التأثير النصراني المزعوم، من دون أن يقدم أي دليل صحيح و لا ضعيف يُؤيد به زعمه الخرافي. و كان مُغالطا أيضا عندما زعم أنه لو لا تلك التأثيرات ما كان لمحمد أن يظهر، و هذه كذبة كبيرة و خرافة من خرافاته، بناها على ظنونه و أهوائه ليُقنع بها نفسه و أمثاله بجدية رأيه، و تناسى أن ما قاله أسطورة لا يُوجد دليل يُؤيدها، لأن ظهور محمد-صلى الله عليه و سلم- لم تُؤثر فيه أية عوامل بشرية مادية و لا معنوية أبدا، و إنما الإرادة الإلهية هي التي أرسلته، و لا يُوجد في سيرته، و لا في تاريخ العرب و لا العالم ما يدل على وجود عامل أو عوامل بشرية هي التي أظهرته نبيا رسولا. لذا وجدناه يتعلق بالظنون و الأوهام و الخرافات، فلما أحسن بتهافت موقفه قال إن رفض زعمه يعني الإقرار بنبوة محمد، مما يُشير إلى أنه لا يقول بذلك التأثير المزعوم بناء على أدلة علمية صحيحة، و لا حتى ضعيفة، و إنما يقول ذلك لكي لا يُؤمن بنبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-. فهو هنا يُحاول إقناع نفسه بزعمه الخرافي، و مخادعتها و تسكينها بأسطورة التأثيرات الكتابية المزعومة.
و هو يُغالط أيضا عندما يُشير إلى موقف المؤرخ الموضوعي من الموضوع الذي تناوله، و نسي أو تناسى أن المؤرخ الموضوعي الحيادي الحق لا يكون مُتعصبا، و لا يبني أفكاره و عقيدته على ظنون و أهواء مُخالفة لحقائق الشرع و التاريخ معا. و إذا وجد الروايات التاريخية الصحيحة لا يتركها وراء ظهره و يجري من وراء الظنون و الأوهام و الخرافات، و إذا لم يجدها لا يكون أُسطوريا في استنتاجاته، و يبقى علميا موضوعيا حياديا يعتمد فقط- عندما لم يجد الروايات الصحيحة- على الاستنتاجات العقلية المبنية على المقدمات الصحيحة، و إذا لم يجد هذه المقدمات الصحيحة، توقف و لا يبت في الموضوع حتى تتوفر لديه الروايات الصحيحة، و المقدمات العقلية الصحيحة، و لا يسمح لنفسه أن يرتمي في أحضان الظنون و الأوهام و الخرافات - كما فعل جعيط-، هذا هو المؤرخ الموضوعي الحيادي الحق. و أما المؤرخ الموضوعي الذي نوّه به جعيط، فهو ليس مؤرخا موضوعيا و لا حياديا، و إنما هو مؤرخ خرافي مُتعصب على شاكلة هشام جعيط الذي يختلق الظنون و الأوهام و يبني عليها استنتاجاته الخرافية ليُنكر نبوة نبي الإسلام محمد -عليه الصلاة و السلام - تعصبا و إتباعا للهوى، فسد بذلك على نفسه أبواب الحق و الهداية.
(1) هشام جعيط: تاريخية الدعوة، ص: 164