فهرس الكتاب
و أُشير هنا إلى أن هشام جعيط عندما زعم أن رأيه ضروري، كان مُغالطا في زعمه هذا، لأنه لا يصح القول في أمر ما أنه ضروري إلا إذا كان قائما على مقدمات صحيحة لا شك فيها، و أن عملية الاستنتاج كانت صحيحة أيضا. و هذا لا يتوفر أبدا فيما قاله جعيط. فهو لم يعتمد على رواية صحيحة و لا ضعيفة، و لا اعتمد على دليل شرعي، و لا اعتمد على دليل عقلي صحيح، و إنما اعتمد الظنون و الأوهام و الخرافات، و التأويلات التحريفية، فتعلق بكل ذلك و استنتج منها آراءه الخرافية التي ذكرنا بعضها، و البقية ستأتي تباعا و نبين بطلانها إن شاء الله تعالى.
و خامسا إن ما ادعاه جعيط في زعمه الرابع حول المصدر الذي تأثر به القرآن المتمثل-حسب زعمه- في الأدبيات اليهودية و النصرانية، هو ادعاء باطل لم يأت فيه بدليل صحيح و لا ضعيف، و إنما كان فيه على طريقة كفار قريش و من سار على نهجهم في إنكار نبوة محمد -عليه الصلاة و السلام- من دون دليل، و التعلق بالظنون و الأوهام و الخرافات. و قد أظهر القرآن و التاريخ بطلان مزاعمهم و تهافتها كلها، و عجزهم عن الرد على تحديات القرآن لهم منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا، و منهم العاجز المحرّف و المخرّف هشام جعيط.
و نحن قد سبق أن بينا تهافت مزاعمه -أي جعيط- في دعوى تأثر القرآن بكتب اليهود و النصارى، و بينا أيضا وجه الحق في بعض التشابه الموجود بينه و بينها. لكن الذي نقوله هنا هو: إن هشام جعيط لا ينسى مغالطاته و تدليساته، و تحريفاته، فهو عندما قال: إن كون إطلاع محمد على أدبيات اليهود و النصارى هو أمر يصعب نفيه تاريخيا. يكون هو قد كذب على التاريخ و الشرع و الناس، لأن من يسمع كلامه يفهم منه أن جعيطا قد أورد من الروايات التاريخية -الصحيحة منها و الضعيفة-،و الأدلة العقلية الصحيحة ما يكفي لإثبات زعمه. لكن الحقيقة خلاف ذلك تماما، لأننا قد تتبعنا آراءه و مزاعمه الخرافية، فلم توجد فيها رواية تاريخي واحدة يُِؤيد بها زعمه من جهة، و لم يعتمد على استنتاج عقلي منطقي صحيح مبني على مقدمات صحيحة من جهة أخرى. و إنما اعتمد أساسا على كفره المسبق بدين الإسلام، و على ظنونه و أهوائه و أوهامه و شطحاته، و عليها كلها بنى استنتاجاته الباطلة و الخرافية. و الحقيقة هي خلاف ذلك تماما، و هي أن الذي يستحيل - و ليس يصعب- إثباته وتاريخيا هو زعمه الباطل. و نحن نتحداه هنا بأن يأتي لنا برواية تاريخية واحدة تُثبت زعمه الخرافي من جهة، و أن يأتي لنا باستنتاج عقلي علمي صحيح مبني على مقدمات عقلية علمية صحيحة تُؤيد ذلك الزعم من جهة أخرى. إنه لم يعثر عليه، و لو عثر عليه لأظهره، و لن يعثر عليه و لو أمضى حياته كلها في البحث عنه، لأنه بنى زعمه الخرافي على هواه و ضلاله و كفره بدين الإسلام، و لم يبنه على الحقائق التاريخية و الشرعية، و البراهين العقلية الصحيحة.
و أما لماذا جعيط مُصر على القول بذلك الزعم الحرافي؟، فهو قد أجاب عن ذلك بصراحة عندما قال: (( من دون المسيحية الشرقية- السورية لم يكن ليظهر