الصفحة 113 من 157

كل الناس، لكن التعصب أعماه حتى جعله يُنكر الشمس في رابعة النهار، فصدق عليه قوله تعالى: (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) )-النمل: 14 - ، و (( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )-6 البقرة: 146 - .

و قوله هذا -أي قول المستشرق- يتضمن إبطالا لخرافتين، الأولى هي التي قال بها هشام جعيط، و قد أبطلها قول وانسبرو عندما اعترف بحقيقة هامة جدا، هي أن معرفة الأديان و ما جرى فيها من جدل هو أمر لم يكن ممكنا في وسط الجزيرة العربية زمن نزول القرآن، و إنما ذلك كان مُمكنا في القرن الثالث الهجري. فهذا الرجل كلامه صحيح، اعترف فيه بحقيقة تاريخية معروفة، تمثل ردا دامغا لخرافة هشام جعيط التي زعم فيها أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- كان على علم بتراث الكتابيين، و أنه تأثر به. فهذا المستشرق اعترف أن زعم جعيط لم يكن ممكنا زمن النبي- صلى الله عليه و سلم-.

و أما الخرافة الثانية فهي التي قال بها المستشرق وانسبروا، فهو قد ساهم في إبطال خرافة جعيط من جهة، و كان سببا في إبطال خرافته من جهة أخرى، و ذلك أن خرافته تصوّرها يحكم ببطلانها، بمعنى أنها تحمل دليل بطلانها في ذاتها، لأنها أنكرت أمرا معروفا بالضرورة. و بذلك يكون الرجلان قد أنكرا الحقيقة، و تمسك كل منهما بخرافة تناسب رأيه.

و أما الحقيقة التي أغفلها الرجلان فهي التي يحملها الاحتمال الثالث الذي استبعده جعيط و وانسبرو، و هو احتمال أن يكون النبي-عليه الصلاة و السلام- صادقا في دعوته. فهذا احتمال يجب على كل باحت في دعوة النبي أن يفترضها ضمن الاحتمالات الأخرى الممكنة عقلا، و يبحث فيها كلها بجد و موضوعية و حيادية. لكن الرجلين أبعدا الاحتمال الثالث، حتى أن جعيطا زعم أن الاحتمال الذي قال به هو ضروري، و هذا لا يصح أبدا، لأن أي إنسان موضوعي متجرد للحقيقة يبحث في نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام- عليه أن يفترض احتمال الصدق و الكذب معا، دون رأي مُسبق، ثم يشرع دراسة كل احتمال على حدة بموضوعية و تجرد، لا يعتمد إلا على الشواهد و الأدلة الصحيحة، مُستبعدا للظنون و الأهواء و الخرافات. لكن الرجلين لم يفعلا ذلك أصلا.

و بما أننا لسنا هنا في صدد التوسع في هذا الموضوع، فإننا نقول: سبق أن ناقشنا رأي جعيط و بينا بطلانه و تهافته و خرافيته. و أن رأي المستشرق وانسبرو هو أيضا باطل و خرافة مُضحكة. فإنه لم يبق إلا الاحتمال الثالث الذي يفترض أن يكون محمد -عليه الصلاة و السلام- كان صادقا في دعوته. و هذا الاحتمال هو الصحيح الذي قامت الأدلة التاريخية و الشرعية و العلمية و العقلية على إثباته و تأكيده، و قد ذكرنا طرفا منها في كتابنا هذا، أثناء ردنا على أباطيل الجابري عامة و خرافات هشام جعيط خاصة، و ليس هنا مجال التوسع فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت