فهرس الكتاب
و هو قد افترى على التاريخ و الناس عندما زعم أن النبي-صلى الله عليه و سلم- كان ممارسا للتجارة، و من خلالها اكتسب الثقافة الدينية الواسعة. فهذا غير صحيح، لأن الثابت في السيرة النبوية هو أن محمدا- عليه الصلاة و السلام- لم يكن ممارسا تاجرا للتجارة و محترفا لها، فلم يرد في القرآن، و لا في كتب السيرة و التاريخ إنه كان ممارسا للتجارة، و إنما الذي ورد في كتب السيرة و التاريخ هو أنه كانت له رحلتان فقط خرج فيهما من مكة إلى الشام، مع رفقة تعرفه، و لم يكن له فيهما أي نشاط علمي مطلقا، الأولى كان فيها صغيرا في نحو 10 سنوات، و الثانية كان له فيها نحو 20 سنة، خرج فيها تاجرا لخديجة قبل أن يتزوّجها [1] . الأمر الذي يعني أن هشام جعيط قد افترى على النبي و التاريخ معا عندما زعم أنه كان ممارسا للتجارة، تمكن من خلالها اكتساب ثقافة دينية واسعة!!.
فالحقيقة خلاف ذلك تماما، فلا كان النبي ممارسا للتجارة، و لا كان طالبا للعلم، لكن جعيطا المفتري الممغالط، يرفض الحقائق التاريخية لأنها تخالف هواه، و يختلق أوهاما و خرافات يتعلق بها و يبني عليها مزاعمه الأسطورية.
و لو كان النبي-عليه الصلاة و السلام- طلب العلم في خروجه إلى الشام لكان ذلك معلوما عند قريش من جهة، و لكان دليلا دامغا قويا بيدها تستخدمه في معارضتها له، و سعيها لإبطال نبوته و دعوته. لكن بما أن التاريخ لم يذكر أنها اتهمته بذلك، و لا أبطلت دعوته به أيضا، مع حرصها الشديد على مقاومته و القضاء عليه و على دعوته، فإن كل ذلك يُبت أن محمد-عليه الصلاة و السلام- لم يطلب علما قبل النبوة و لا بعدها. فلو حدث ذلك ما غاب عنها، و ما سكتت عنه. لكن جعيطا المتعصب المفتري المغالط رفض حقائق الشرع و التاريخ و بأوهام و ظنون ليصل إلى ما خطط له سلفا، و هو إنكار نبوة محمد -عليه الصلاة و السلام- بأي طريقة كانت، و لو باختلاق الأكاذيب و التعلق بالأوهام و الخرافات!!.
و هو أيضا قد مارس التغليط و التدليس عندما زعم أن رأيه الذي قال به هو أمر ضروري و إلا علينا قبول رأي المستشرق وانسبرو الذي ذكرنا زعمه و مفاده أن (( معرفة الأديان التوحيدية و الجدل أمر غير ممكن وسط شبه الجزيرة، و بالتالي فالقرآن ... أُلف في القرن الثالث الهجري ) )، فهذا الرجل-أي جعيط- جعل تفسير الظاهرة القرآنية محصورة بين احتمالين خرافيين لا ثالث صحيح لها، الأول هو الذي قال به جعيط، و قد سبق أن ناقشناه و بينا بطلانه و تهافته و أُسطوريته؛ و الثاني هو الذي قال به ذلك المستشرق، و احتمال ظاهر البطلان، و مثير للضحك و الاستغراب و الدهشة، صاحبه متعصب مُفترِ أعماه تعصبه، حتى جعله ينكر أمرا متواترا معروفا من التاريخ بالضرورة، و هو أن القرآن ظهر في القرن الأول الهجري، و هو أصل دين الإسلام، و باعث أمة الإسلام التي تعود إلى القرن الهجري الأول، و لم يظهر في القرن الثالث الهجري. و هذا أمر يقيني عنده و عند
(1) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 1 ص: 180، 187. و ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل، ج 1 ص: 183. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 2 ص: 72. و ابن القيم: زاد المعاد في هدى خير العباد، ج 1 ص: 183.