الصفحة 131 من 157

كبوذا و عيسى، و كلاهما وُلد في مكان ناءٍ، الأول في النيبال، و الأخر في الجليل. و الابتعاد عن المركز مع العبقرية يأتي بالشيء العظيم، لكونه متحررا من الضغوط، فينطلق الفكر. و لنتذكر هنا ابن خلدون، و عمانويل كنت، في كونيغسبرغ النائية. و لو وُلذ هذا الأخير في باريس أو لندن ما خرج منه ما خرج )) [1] .

واضح من كلامه أنه جعل النبي محمد-عليه الصلاة و السلام- عالما من العلماء، و عبقريا من العباقرة، و مُلهما من المُلهمين، و سوّاه بكبار مؤسسي الأديان، و فسّر ما جاء به النبي تفسيرا بشريا، لا يختلف عن ما جاء به العباقرة و العلماء الكبار، كابن خلدون و ايمانويل كنت. و كلامه هذا باطل مردود عليه، و خرافة من خرافاته الكثيرة. لأنه أولا إنه حقا أن النبي محمد -عليه الصلاة و السلام- كان عظيما، و ذكيا، و فطنا، و قائدا مُحنكا، و مُربيا ناجحا ... إلخ، لكمنه لم يكن عالما و لا مُلهما و لا عبقريا، و إنما كان نبيا رسولا أميا، أكرمه الله تعالى بالنبوة، و اختاره لها بفضله و كرمه، و عنايته و حكمته، لقوله تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا - سورة الكهف/110 - و (( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ) )- الفتح:29 - (( اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) )- الأنعام:24 - (( إنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ) )-الإسراء:87 - و (( بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) )-البقرة:120 - (( وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) )-النساء: 113 - ، و (( مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) )-الشورى: 52 - و (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - . فالنبي محمد-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، و لم يكن مطلعا على علوم عصره و دياناته، و هذا أمر ثابت شرعا و تاريخا، سبق بيانه في الفصل الأول. لكن جعيطا أغفل كل تلك الحقائق الشرعية و التاريخية، و بنى خرافته على الأوهام و الظنون و التعصب للباطل، إنكارا لنبوة محمد و جحودا بها، من دون أن يُقدم أي دليل صحيح و لا ضعيف. و عليه فإن تسويته بين النبي و كبار العلماء و عباقرتهم، هي تسوية باطلة شرعا و تاريخا و عقلا.

و ثانيا إنه لا تصح التسوية بين ما يأتي به النبي، و بين ما يُنتجه العلماء، من حيث المصدر، و لا من حيث نوعية ما يأتون به. لأن النبي يأتي بالوحي من الله تعالى بعد اصطفائه له، و إكرامه بالنبوة من دون أي دخل منه. و أما العالم الكبير و العبقري المبدع فهما كباقي أهل العلم، يأتي علمهم ثمرة لقدراتهم الذاتية، و نشاطاتهم و اجتهاداتهم في البحث، و الكشف، و الإبداع.

و أما من حيث نوعية و قيمة ما يأتي به كل من النبي و العالم، فالفرق أساسي و كبير جدا، بسبب اختلاف المصدر. فالوحي الذي جاء به نبينا-عليه الصلاة و

(1) جعيط: تاريخية الدعوة، ص: 337، هامش رقم: 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت