الصفحة 80 من 157

لكنه لم يفعل ذلك، و لم يتراجع عن موقفه الأول بطريقة صحيحة واضحة، و كأنه يُخفي أمرا لا يُريد البوح به.

علما بأن موقفه الأخير الذي نصّ فيه على أن القرآن ليس تراثا، هو موقف صحيح، خلاف موقفه الأول. لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى و ليس كلاما بشريا خاضعا لضرورة الزمان و المكان. و كذلك السنة النبوية، فهي و إن كانت كلاما بشريا، فإنها ليست كلام بشري عادي، و إنما هي كلام رسول من رب العالمين. لذا فإن كلامه ليس تراثا بشريا، و إنما هو كلم نبوي.

و أما المثال الخامس فيتعلق بالديانات السماوية، و مفاده أن الجابري يقول بوجود ثلاث ديانات سماوية هي: اليهودية، و النصرانية، و الإسلام، من ذلك أنه قال: (( وحدة الأصل في الديانات السماوية الثلاث ) )، و قال أيضا: إن نزول الوحي على الرسول-صلى الله عليه و سلم- دشن عهدا جديدا في تاريخ البشرية، قوامه قيام دين سماوي جديد إلى جانب اليهودية و النصرانية [1] . ذ

و قوله هذا لا يصح في ميزان القرآن الكريم، لأن القرآن لا توجد فيه أية إشارة من بعيد و لا من قريب إلى أنه توجد ثلاث ديانات سماوية أو أكثر. و إنما فيه تقرير و تأكيد على تعدد الرسالات السماوية، ذات الدين الواحد هو دين الإسلام، كقوله تعالى: (( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) )-الشورى: 13 - ، و (( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )-آل عمران: 67 - . و أما الديانتان اليهودية و النصرانية الحاليتان فهما ديانتان مُحرفتان خرجتا عن أصلهما الإلهي الواحد، و أصبحتا ديانتين أرضيتين، لذا قال الله تعالى: (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) )-آل عمران: 19 - ،و (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )-آل عمران: 85 - و (( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )-المائدة: 73 - ، و (( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) )-البينة: 1 - ومع أن الجابري قد أشار إلى وحدة الأصل، لكنه مع ذلك جعل الدين الإلهي الواحد دينا متعددا مكونا من ثلاثة أديان، و هذا لا يصح في ميزان القرآن الكريم.

و المثال السادس مفاده أن الجابري قال عن دعوة النبي عيس- عليه السلام-: (( و كما ذكرنا قبل، كانت دعوته شفوية، فهو لم يأت بكتاب مُنزل، و إنما كان يقوم بعظات متنقلا من مكان إلى آخر من فلسطين ) ).و هو قال بهذا مُسايرة لما يقوله

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 33، 77، 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت