فهرس الكتاب
مؤرخو الدين النصراني في الغرب من أن عيسى لم يترك كتابا منزلا يضم كلام الله [1] .
و قوله هذا غير صحيح، لأنه مُخالف للقرآن مخالفة صريحة، فقد ذكر الله تعالى أنه أتى عيسى -عليه السلام- كتابا اسمه الإنجيل، كقوله سبحانه: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) )-الأعراف: 157 - ، و (( وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) )-آل عمران: 3 - ، (( إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) )-المائدة: 110 - ، و (( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) )-المائدة: 46 - ، فهذه الآيات نصت صراحة على أن الله تعالى أنزل على عيسى كتابا اسمه الإنجيل، بصيغة المفرد، و ليس الجمع: الأناجيل، فالأناجيل المعروفة ليست هي الإنجيل الذي أنزله الله تعالى، و إنما هي مذكرات كتبها بعض أتباع المسيح ز و أما الإنجيل الأصلي الكامل فقد ضاع في خضم الاضطهاد الذي تعرض له المسيح و أتباعه على يد اليهود و الرومان، و بقيت منه شذرات مُبعثرة هنا و هناك، فظن بعض مؤرخي النصرانية أن عيسى-عليه السلام- لم ينزل عليه كتاب، بسبب عشرات الأناجيل المنسوبة إليه، و التي اختارت منها الكنيسة الأناجيل الأٍربعة المعروفة [2] . فأخطأ هؤلاء في ظنهم، لأن كثرة الأناجيل لا يعني أنه لم ينزل على عيسى كتاب إلهي، و إنما ذلك يحتمل أمرين، إما أن تلك الأناجيل ليس لها أصل إلهي، و إنما كتبها بعض النصارى و نسبوها إلى المسيح. و إما أنها ذات أصل إلهي، فلما ضاع الأصل الإلهي كثرت الأناجيل و نُسبت إلى المسيح على اختلافاتها و تناقضاتها. و هذا هو الراجح، لأن وجود هذا العدد الكبير من الأناجيل يُشير إلى وجود الأصل. و بما أن الله تعالى أخبرنا أنه أنزل على عيسى- عليه السلام- كتابا اسمه الإنجيل، فإن الخلاف قد حُسم، و أصبح من المؤكد أن عيسى جاء بكتاب منزل. و الجابري خالف ذلك و ساير ما يقوله بعض مؤرخي النصرانية.
و المثال السابع -من أباطيل الجابري- يتعلق بمعراج النبي-عليه الصلاة و السلام- إلى السماء العليا، و مفاده أن الجابري قال: إنه مما يجب التنبيه إليه ابتداء في هذه المسألة، هو أن المعراج لم يرد ذكره في القرآن، و إنما ذُكر الإسراء وحده في قوله تعالى"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )) -الإسراء: 1 -". و إنما ذُكر المعراج في كتب الحديث كصحيحي البخاري و مسلم، و غيرهما [3] .
و قوله هذا لا يصح، لأن القرآن الكريم أشار فعلا إلى المعراج في قوله تعالى: (( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ
(1) نفس المرجع، ص: 39، 40.
(2) رؤوف شلبي: أضواء على المسيحية، المكتبة العصرية، بيروت، 1975، ص: 21 و ما بعدها، 37، 38، 96.
(3) الجابري: المرجع السابق، ص: 189، 190.