الصفحة 101 من 157

و ربما يستشهد بعض الناس بأهرامات الفراعنة بمصر، و يزعم أنها معجزة. و هذا قول لا يصح، لأن هذه الأهرامات إذا كانت شعوب كثيرة لم تكن قادرة على بناء مثلها، فإن بناءها لم يكن سرا و لا معجزة بالنسبة للمصريين، فقد كانوا يعرفون طريقة بنائها معرفة جيدة، و بنوا منها أهرامات كثيرة خلال العصر الفرعوني، أشهرها أهرامات الجيزة الثلاثة المعروفة. فلو كان بناؤها معجزا لما تمكن المصريون من تكرار بنائها مرات عديدة. و بما أنهم فعلوا ذلك، فهي ليست معجزة حتى و إن جعلت شعوب أخرى طريقة بنائها، و لم تقدر على تقليد بنائها. و ما قلناه عن بناء الأهرامات هو نفسه يمكن قوله عن عملية التحنيط التي مارسها الفراعنة في تحنيط ملوكهم و أعيان دولتهم. و الإنسان في عصرنا الحالي يستطيع أن يبني بنايات أكبر بكثير من تلك الإهرامات من حيث الحجم و المرافق و الجمال، و ناطحات السحاب أحسن شاهد على ذلك.

و أما المعجزة القرآنية من الناحية العملية، فهي تختلف تماما عن تلك الإبداعات التي سبق أن ذكرناها، لأنه لا يُوجد كتاب يُماثله في العلم بأسره. فهي معجزة فريدة لم تتكرر، و لن تتكرر، فلو تكررت -على يد البشر- ما أصبحت معجزة.

و ختاما لما ذكرناه يتبين أن الجابري قزّم المعجزة القرآنية تقزيما كبيرا، حتى لم يُبق لها ميزة تنفرد بها. فسوّاها بالتوراة و الأناجيل ظلما وزورا و افتراء، و أغفل مجالات إعجازها التاريخية، و التشريعية، و العلمية، و العددية، ما عدا إعجازها اللغوي، فقد أثبته و نوّه به من جهة، و قلل من أهميته و انفراده و قوته، من جهة أخرى، عندما جعل إبداعات كبار الكُتاب و الشعراء تتصف هي أيضا بالإعجاز في بابها. فالإعجاز ليس خاصا بالقرآن فقط، و إنما له ما يُماثله في إبداعات بشرية كثيرة. و من ثم فلم يبق للمعجزة القرآنية شيء له أهمية تنفرد به، لأن الجابري جرّدها من كل خصائصها الإعجازية بطريقة تحريفية تغليطية بيّنا بطلانها و تهافتها.

و تبيّن أيضا أنه -أي الجابري- قام بدور تحريفي خطير و وضيع في موقفه من القرآن الكريم، ليس فيه من الموضوعية العلمية شيء. و قد كان فيه متأثرا-من حيث يدري أو لا يدري- بشكل كبير بالمستشرقين و تلامذتهم في موقفهم الباطل من القرآن الكريم، فقال بقولهم في تسويتهم للقرآن بالتوراة و الأناجيل، و إنكارهم للمعجزة القرآنية و أمية النبي -عليه الصلاة و السلام-. قالوا ذلك زورا و افتراء و بهتانا، فصدق عليهم قوله تعالى: (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) )-آل عمران: 71 - .

علما بأن إصرار الجابري على أن النبي- عليه الصلاة و السلام-كان يعرف القراءة و الكتابة هو زعم باطل،، روّج له المستشرقون و تلامذتهم ليجدوا طريقا للطعن في القرآن، و إيجاد تفسير بشري له، يُفسرون به قسما كبيرا من مضمون المعجزة القرآنية، من دون الإقرار بها، و لا بنبوة محمد -عليه الصلاة و السلام-، بدعوى أنه بما أن النبي كان يعرف القراءة و الكتابة، فمن الممكن أنه نقل قسما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت