ككتاب الحِكَم العطائية، يجد فيها خطبا و حكما ما يفوق بكثير ما قاله قس بن ساعدة.
علما بأن قس بن ساعدة لم يكن ظاهرة فريدة في المجتمع العربي الجاهلي، فقد كان له نظراء في الخطابة، كسهل بن عمرو، و لبيد بن ربيعة، و هرم بن قطبة الفزاري، و غيرهم كثير، و قد غلب على خطبهم السجع الشبيه بسجع الكهان [1] .
و أما بالنسبة لمقامات الهمذاني و الحريري، فهي بلا شك مقامات بليغة ممتعة، و جميلة هادفة، لكنها ليست معجزة لسببين: أولهما أنها لو كانت معجزة ما استطاع الحريري أن يُحاكي الهمذاني مُبدع المقامات في مقاماته، و بما انه حاكاه فيها فهي ليست مُعجزة، و لأن المعجزة لا تتكرر.
و الثاني أنه ظهرت مقامات كثيرة بعد الحريري، أقربها إلينا زمانا مقامات مجمع البحرين، للأديب النحوي ناصف اليازجي (ت 1871 م/1288 هجرية ) ) ، حاكى فيها مقاماته الحريري شكلا و مضمونا، -على الرغم مما بينهما من زمن طويل- [2] . و قد حازت مقاماته الخصائص الحريرية [3] و تفوقت عليها في جوانب عديدة، منها: إنها أكثر منها عددا [4] ، وأغزر من حيث وفرة الآيات القرآنية، و أوفر نصيبا من الألغاز النثرية و الألعاب البلاغية، قلّد فيها الحريري، و زاد عليه و أبدع فيها [5] ؛ منها: القلب-مالا يستحيل بالانعكاس [6] - و هو عزيز الوجود في أشد الآثار الأدبية محافظة، و في أوغلها تكلفا و صناعة. استعمله اليازجي و تفوق فيه على الحريري، و شق على نفسه حتى جادت قريحته بأربعة عشر بيتا، كلها لا تستحيل بالانعكاس، في حين لم يستطع الحريري أن يأتي بأكثر من خمسة أبيات، و ليست في جودة أبيات اليازجي الذي أبدى كذلك مهارة عالية في النحو-مجال تخصصه- وبزّ فيه الحريري [7] .
و أما ما قاله عن قصائد نزار قباني، فلا يصح، لأن شعره ليس معجزة، ولا هو إبداعا كبيرا، فهو شعر حر لغته عادية يستطيع الشعراء المبدعون المختصون في اللغة و الأدب الإتيان بمثله، و بأحسن منه تقليدا أو إبداعا عن طريق تكرار التجربة الإيداعية. لأن تجربة قباني ليست فريدة لا يمكن أن تتكرر، فقد تتكرر بشكل أو بآخر عند شعراء آخرين، و قد تكون أقوى و أعمق و أبدع من تجربة قباني. ومعروف أن شعره يغلب عليه الشعر الماجن الذي ضرره أكثر من نفعه.
(1) الموسوعة العربية العالمية، مادة: قس بن ساعدة.
(2) عبد المالك مرتاض: فن المقامات في الأدب العربي، ط 2 الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988 ... ص: 241.و شوقي ضيف: المقامة، ط 2، القاهرة، دار المعارف، 1964، ص: 87
(3) و شوقي ضيف: نفس المرجع، 1964، ص: 88.
(4) تتكون من ستين مقامة، مقابل خمسين عند كل من الحريري و الهمذاني. نفس المرجع، ص: 85.و عبد المالك مرتاض: المرجع السابق:228.
(5) عبد المالك مرتاض: المرجع السابق ص: 228، 456، 459، 460. و شوقي ضيف: المرجع السابق ص: 85، 89، 91، 92.
(6) أي أنه يقرأ طردا و عكسا، كقول اليازجي: قمر يفرط عمدا مشرق × رش ماء دمع طرف يرمق. عبد المالك مرتاض: نفس المرجع ص: 466.
(7) نفس المرجع: ص: 465، 466.و شوقي ضيف: المرجع السابق ص: 89، 90، 91، 92.