و أما الأمثلة التي ذكرها الجابري، فهو قد بالغ في تضخيمها، و توجيهها الوجهة التي يريد الوصول إليها. فالمتنبي لم يكن شعره معجزة، و لا إبداعا لا يُضاهى، فشعره الذي ركّز فيه على المدح، فيه نقائص تتعلق بأغراض الشعر الأخرى، كالوصف و الهجاء، و عندما هجا كافور الإخشيدي تجاوز الحدود الشرعية و الأخلاقية في ذمه له، عندما عيّره بما لا يصح أن يُعيّر به، كتعييره ببعض صفاته الخَلْقية التي خلقه الله تعالى عليها [1] . كما أن أعماله الشعرية لم تكن فريدة من نوعها، فقد شهد العصر الإسلام شعراء كثيرين برعوا في مختلف أغراض الشعر، و أشعارهم هي في درجة شعر المتنبي، و قد تكون أحسن من شعره، و منهم: البحتري، و الأخطل، و جرير، و أبو تمام، و الفرزدق، و بشار بن برد، و أبو نواس. و هذه النماذج من كبار الشعراء المبدعين، و إن لم تتكرر في زماننا فهي ليست نماذج معجزة، لأنها تكررت في زمانها، و لا مانع من أن تتكرر بعض هذه النماذج في زماننا هذا أو مُستقبلا.
و أُشير هنا إلى أن شعر المتنبي على قوته و بلاغته فإن النقاد لم ينفقوا في موقفهم من شعره، فإذا كان بعضهم قد بالغ في مدحه و تضخيمه كالجابري، فإن نقادا كبارا آخرين قد انتقدوه انتقادا لاذعا، و أظهروا كثيرا من نقائص شعره، كالإيهام، و التكلف، و الشذوذ اللغوي. و منهم: أبو هلال العسكري، رد على المتنبي في كتاب الصناعتين، و قال: إنه ضمّن شعره جميع عيوب الكلام. و منهم: الصاحب بن عباد رد على المتنبي، في كتاب عنوانه: الكشف عن مساوئ المتنبي [2] . و منهم معاصره: أبو علي الحاتمي البغدادي، صنف كتابا سماه: الموضحة في ذكر سرقات المتنبي و ساقط شعره، أظهر فيه عيوب شعر المتنبي، و انتقادات غيره له، و قد أظهر الحاتمي دقة في النقد، و غزارة في المادة و سعة في الإطلاع [3] .
و أما الخطبة المنسوبة إلى قس بن ساعدة، فهي خطبة قصيرة مسجوعة ن ألفاظها مُنتقاة، و جملها صغيرة، و هي خطبة عادية، ظاهر عليها التكلف و الاصطناع، لا روحانية فيها و لا إعجاز. منها قوله: (( أيها الناس اسمعوا و عوا، من عاش مات، و من مات فات، و كل ما هو آت أت، و ليل داج و نهار ساج ... إن في السماء لخبرا، و أن في الأرض لعبرا، ما بال الناس يذهبون و لا يرجعون ) ) [4] .
و هذه الخطبة المسجوعة، يمكن أن يقول مثلها أو أحسن منها المتخصصون في الوعظ و اللغة و الأدب، يقول مثلها إما بالتقليد و الاصطناع، و إما بالإبداع / و من يُراجع خُطب الواعظ عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 هجرية) ، يجد فيها من الخطب و الوعظ ما هو أحسن من تلك الخطبة المنسوبة لقس بن ساعدة. و من يبحث في كتاب نهج البلاغة، و جمهرة خطب العرب، و كتب الزهد و التصوف،
(1) أنظر: الموسوعة العربية العالمية، الطبعة الإلكترونية، مادة: المتنبي.
(2) نفسه.
(3) أبو علي الحاتمي: الموضحة في ذكر سرقات المتنبي و ساقط شعره، ص: 3، و ما بعدها. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 4 ص: 474.
(4) أحمد زكي صفوت: جمهرة خطب العرب، المكتبة العلمية، بيروت، د ت، ج 1 ص: 38.