، أو بمثل سورة من سوره، بل لا أحد من الشعراء اليوم يمكن أن يأتي بشعر يُماثل شعر المتنبي، و لا بخطبة مماثلة لخطبة قس بن ساعدة، أو بمقامة من جنس مقامات الهمذاني أو الحريري، بل لا بقصائد تتطابق مع قصائد نزار قباني. ذلك لأن الإبداع في القول كما في الرسم و النحت، كما في الفكر و الفلسفة، لا يمكن تقليده بسب بسيط هو أن التقليد بالتعريف: غير الإبداع. و الوحي المحمدي - القرآن- إذا نُظر إليه من المنظور الأدبي فهو قمة البلاغة و الإبداع. و أما من المنظر الديني فهو تجربة روحية فريدة )) [1] .
و قوله هذا فيه باطل كثير، و تغليط للقراء و تدليس عليهم، و ذلك أنه لم يجعل الإعجاز خاصا بالقرآن و مقصورا عليه، و محصورا فيه، و إنما جعله يشمل أعمالا إبداعية بشرية لكبار الكتاب و الشعراء. فهي أعمال تتصف-في نظر الجابري- بالإعجاز في بابها، كما يتصف القرآن بالإعجاز البلاغي. فالقرآن عنده لا ينفرد بصفة الإعجاز، و إنما تشاركه فيه أعمال بشرية إبداعية كثيرة.
و ردا عليه أقول: إنه لا يصح وصف الأعمال البشرية الإبداعية بالإعجاز إذا قُصد به تشبيهها بالإعجاز القرآني، لأن القرآن الكريم كلام الله المعجز الذي يمثل المعجزة الحقيقية الخالدة. و أما تلك الأعمال الإبداعية فهي ليست معجزة من الناحية النظرية و العملية. فمن الناحية النظرية إنه لا يصح عقلا أن يُقال: إن هذه الأعمال الإبداعية معجزة، و لا يمكن الإتيان بمثلها. إنه لا يصح ذلك لأن أي عمل بشري مهما كان إبداعه يمكن أن يُقلّد، أو يُنتج من جديد بتكرار التجربة عند نفس الشخص، أو عند شخص آخر. فيُؤدي ذلك إلى إنتاج نفس العمل، أو قريب منه، أو أحسن منه، بغض النظر عن القرب أو البعد الزمنيين. لذا لا يصح أبدا إصدار حكم نظري بأن هذا العمل الإبداعي لا يمكن الإتيان بمثله، أو بأحسن منه، أو بقريب منه. و من يقول ذلك فهو قد خالف العقل، لأنه لا يُوجد أي مانع عقلي بعدم إمكانية تكرار إبداعات البشر و تشابهها فيما بينها.
و أما بالنسبة للقرآن الكريم، فلا يصدق عليها ما قلناه، لأن الله تعالى هو الذي وصف كتابه بأنه معجز، و تحدي به الإنس و الجن على أن يأتوا بمثله، ثم أكد على أنهما لن يأتوا بمثله، في قوله سبحانه: (( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) )-الإسراء: 88 - . فهذا حكم إلهي مطلق بأن المعجزة القرآنية لا يمكن الإتيان بمثلها أبدا , و هذا خلاف إبداعات البشر.
و أما من الناحية العملية فإن الواقع يشهد على أن الأعمال الإبداعية لكبار المبدعين في العالم تتكرر أعمالهم في الواقع المشهود. لأن تجارب البشر تتكرر بطريقة أو أخرى، فقد تتشابه كثيرا، و قد تختلف كثيرا، و قد تجمع بين التشابه و الاختلاف معا. فيأتي إنتاجهم انعكاسا لتجاربهم على المستويين العقلي و الوجداني. علما بأن أعمالهم لا تخلو من النقائص و السلبيات مهما بلغت من القوة و الإيجابية و حازت على صفات الكمال.
(1) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 94.