ينقضه قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) )-المائدة: 67 - كما أن معرفة بعض الصحابة بنزول القرآن، قبل أن يسمع به باقي الصحابة، لا تقدح في القرآن، لأنه لا يُعقل أن يكون كل الصحابة عند النبي-عليه الصلاة و السلام- ليحضروا نزول الوحي. لذا كان الحاضرون يُخبرون الغائبين بما نزل من القرآن الكريم.
و أما استدلاله باستدراك زيد لآيتين من سورة التوبة، و لأية من سورة الأحزاب، فقد سبق أن بينا بالأدلة القاطعة أن ذلك لم يكن استدراكا، بمعنى أنه حدث نسيان و ضياع لها فتذكرها زيد بن ثابت و ألحقها بالمصحف. و إنما الذي حدث هو أن زيدا عندما جمع القرآن زمن أبي بكر افتقد تلك الآيات مكتوبة، و لم يفتقدها بسبب النسيان و الضياع، فخرج يبحث عن المكتوب و ليس عن المحفوظ، لأنه هو شخصيا كان يحفظها-كغيره من الصحابة-،و سمعها بنفسه من النبي-عليه الصلاة و السلام-،و هذا أمر سبق أن أثبتناه و وثقناه.
و لذلك لا يصح قول الجابري بأن زيدا استدرك آيات لم تكن معروفة من لدن الجميع. فهو لم يستدرك شيئا من القرآن، و إنما جمعه بطريقة علمية قمة في التوثيق و الحرص و الموضوعية، جمع من خلالها بين المحفوظ المُتقن و الأصل المكتوب. و قد تمت العملية على يد رجل مُختص في القرآن حفظا و رسما و قراءات، و مع ذلك أشرك في عمله غيره من الصحابة، و كان يخرج إليهم و يجمعه من الصدور و المكتوب، تحت رعاية خليفة المسلمين أبي بكر، و وزيره عمر- رضي الله عنهما-. و لم يتوقف من الجمع إلا بعدما تأكد يقينا أنه جمع كل القرآن لأنه كان يحفظه كله، معتمدا على المحفوظ و المكتوب معا [1] ، و بذلك يتبن أن الجابري كان محرفا مُغالطا مُدلسا عندما زعم أن زيدا استدرك بعض الآيات من القرآن الذي لم يكن معروفا لدي جميع الصحابة.
و أما القول الثالث فمفاده أن الجابري -بعدما عرض الروايات التي أشارت إلى سقوط شيء من القرآن [2] - عقّب على ذلك بقوله: (( فإذا تجاوزنا ما قيل بصدد آية أو بضع آيات مما سبق ذكره، باعتبار أن ذلك من المور المقبولة في كل عملية جمع تتم في ظروف مماثلة ) )، و لا نعتقد أن ما سقط منهما - من سورتي الأحزاب و التوبة- من الآيات، إذا كان هناك سقوط بالفعل يتعلق بهذا الموضوع ... و كل ما يمكن قوله - على سبيل التخمين لا غير- هو أن يكون الجزء الساقط من سورة براءة هو القسم الأول منها ... و أما سورة الأحزاب فيبدوا أن ما سقط منها مُبالغ فيه ... )) [3] .
(1) سبق توثيق ذلك.
(2) سبق أن ناقشناه فيها، و أبطلناها، و لله الحمد.
(3) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 229، 231.