فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 91

وفي هذا الأمر تأكيد لليهود المخاطبين على الإتيان بصلاة المسلمين، كما تضمن قوله تعالى: {مَعَ الرَّاكِعِينَ} إيقاعها في جماعة (1) [388] )، فالمقصود بالركوع في الآية الركوع المعهود لأن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية (2) [389] )، ويمكن أن يراد به الصلاة نفسها، فعبر عنها بفعل لازم من أفعالها، وهو الركوع، وذلك يدل على فريضته فيها (3) [390] ).

ومن العلماء من حمل الركوع في الآية على المعنى اللغوي، وهو الخضوع لله بالطاعة، والدخول مع المسلمين في الإسلام والانقياد لما يلزمهم في دين الله (4) [391] )، وهذا المعنى قوي اختاره ابن جرير الطبري (ت 310 هـ) ، وهو المناسب للسياق، فإن هذه الآيات افتتحت تذكر المنعم وذلك في قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا} (البقرة/40) ثم اختتمت بالانقياد للمنعم والخضوع له تعالى، وما بينهما تكاليف اعتقادية وأهم الأفعال البدنية والمالية (5) [392] )، ومما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعده: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة/45) ، ولولا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية لكان هذا المعنى وهو الخشوع مقدما على غيره، ولا يمنع أن يُراد بقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} الخشوع وإنما اختير التعبير بالركوع للإيماء إلى ما سبقت الإشارة إليه من أن اليهود لا ركوع في صلاتهم ومن إيقاع الصلاة في جماعة.والله أعلم.

وأما قول ابن العربي (ت 543 هـ) في الآية: (( وقيل: إنه الانحناء لغةً وذلك يعم الركوع والسجود ) ) (6) [393] ) فلم أقف عليه إلا عنده رحمه الله، وفيه شئ من البعد. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت