فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوكٌ فيه، أشار بترك الشَّكِّ والرِّيبة إلى اليقين ليتخلَّص رسول الله من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه مِن كلام الناس، فأشار بحسم الداء، لما عَلِمَ حُبَّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لها ولأبيها، وعلم مِن عِفتها وبراءتها، وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظم منه، وعرفَ مِن كرامةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعِه عنه، أنه لا يجعلُ ربةَ بيته وحبيبته من النساء، وبنت صِدِّقه بالمنزلة التي أنزلها بهِ أربابُ الإفك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرم على ربه، وأعزُّ عليه
من أن يجعل تحته امرأة بغيًَّا، وعلم أنَّ الصِّدِّيقةَ حبيبةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكرمُ على ربها مِن أن يَبْتَلِيهَا بالفاحِشَةِ، وهي تحتَ رسوله.
ومن تأمل قولَ الصديقة وقد نزلت براءتها [1] ، فقال لها أبواها: قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد الله. علم معرفتها
(1) قالت عائشة رضي الله عنها: والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني الله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم أني
حينئذ بريئة وإن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن في شأني وحيا في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر ولكني الله - صلى
الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها فو الله ما رام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل البيت حتى أنزل من البرحاء
حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي
أنزل عليه قالت فسري عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال:"يا عائشة أما الله فقد برأك"،
قالت: فقالت
لي أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل قالت وأنزل الله تعالى: ... {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} - إلى آخر العشر الآيات من سورة النور - ثم أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله ... {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} إلى قوله غفور رحيم
بكر الصديق بلى والله إني لأحب أن
يغفر الله لي فرجع إلى
مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها قالت عائشة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت، فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعصمها الله بالورع. حادثة الإفك أخرجها البخاري في كتاب المغازي برقم (3910) .