فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 254

مسألة الشفاعة ومسألة التوسل من أعظم ما تواجه به هذه الدعوة.

والحقيقة أن طلب الشفاعة دعاء، وعليه فكل دليل أبطل أن يدعى مع الله إلهًا آخر يصلح أن يكون دليلًا لإبطال الاستشفاع بالموتى، وذلك لأن حقيقة الشافع أنه طالب، وحقيقة المستشفع به أنه مطلوب.

ولأهمية هذا الأمر، سنعرض مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الشفاعة، وهو كالتالي:

1.الشفاعة ثابتة لا ننكرها، لأن الله أثبتها في كتابه , ونصوصها عند أهل السنة من قبيل المتواتر.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول -، فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن رسول الله - الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الله رب العرش العظيم أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه.

2.جعل الله الشفاعة لبعض عباده كرامة لهم، ولإظهار علو منزلتهم وفضلهم.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: وحقيقة أمر الشفاعة أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود، فهذا هو حقيقة الشفاعة، لا كما يظن المشركون والجهال أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداءً فيمن شاء، وينجيه من النار، ولهذا يسألونها من الأموات وغيرهم إذا زاروهم أ. هـ

ولكن هذا العطاء من الله ليس عطاءً مطلقًا، بحيث يتصرف من جعل الله له الشفاعة فيها كيف يشاء، بل هو مقيد بأمور:

أ. الإذن من الله، بأن يأذن الله لهذا الشافع أن يشفع، وهذا الإذن ليس إذنًا مطلقًا ,بل يأذن له فيمن أراد رحمته ورضي عنه. جاء في الصحيحين: ثم يحد لهم حدًا فيدخلهم الجنة.

قال ابن تيمية: فلا يأذن في شفاعة مطلقة لأحد، بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه، فلا يأذن لهم إذنًا مطلقًا.

ب. رضا الله عن الشافع والمشفوع فيه. قال تعالى {إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} .

ج. أن هذه الشفاعة في الآخرة.

3.الشفاعة ملك لله لا يملكها أحد من البشر ـ حتى الأنبياء ـ ولا الملائكة , قال تعالى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ملكًا واستحقاقًا , ولذا فإن هذه الشفاعة لا تطلب إلا من الله وحده مالكها [1] .

(1) قال الشيخ عبد الله أبو بطين: وأخبر النبي - أن الأنبياء يشفعون، والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة يصح أن يقال: إنه ملك ما أذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلق على الإذن والرضا، لا تمليك مطلق .... وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع حتى يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: وليس قولهم: إنه أعطي الشفاعة بمعنى ملكها وحازها كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر، وأيضًا فإن الله يعطي رسله وأولياءه مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إن الله أعطاهم ذلك وملكهم إياه، فيطلب منهم ويرغب فيه، فإن كان ذلك مشروعًا سائغًا فالشفاعة قيدت بقيود لم تقيد بها هذه العطايا والمواهب السنية.

وقد كان المشركون الأولون _ سواءً من الأميين، أو من أهل الكتاب _ يعتقدون أن آلهتهم تشفع لهم جزمًا عند الله إذا توجهوا إليها، وأن الله لا يرد شفاعتهم، فرد عليهم القرآن {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} ، {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} .

وسبب شبهتهم أن هؤلاء لهم جاه عند الله فمن توجه إليهم أرضوه بالشفاعة، فظنوا أنها تكون منهم ابتداءً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت