فهرس الكتاب
قال ابن تيمية: فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال , ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكًا لها , بل هذا ممتنع كما يمتنع أن يكون خالقًا وربًا.
وقال أيضًا {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} أي: لا يملكها إلا هو، فهو الذي يسألها سبحانه وتعالى، وهو الذي تطلب منه سبحانه وتعالى.
وقال أيضًا: ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكًا لهم.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: الشفاعة ملك لله وحده , وكون النبي - أُعطيها لا استقلالًا من دون الله , بل أكرمه المالك لها لأناس مخصوصين قي مقدار مخصوص , فهي شيء محدود لشيء محدود أ. هـ
_ إذا تبين هذا الأمر فإن هذه الشفاعة التي تعلق بها المشركون باطلة لأمور:
-أنهم طلبوها من غير مالكها.
-أنهم طلبوا منهم بعض أمور الدنيا، وهذا مناف للشفاعة المثبتة التي تكون في الآخرة [1] .
-أنهم بسؤالهم من غير الله حرموا أنفسهم من الشفاعة المثبتة، لأنهم بسؤالهم تلك الشفاعة وقعوا في الشرك، والشفاعة لا تكون إلا بعد رضا الله، والله لا يرضى عن الشرك وأهله.
قال ابن القيم: وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.
وقد أحسن الشيخ أحمد بن عيسى حين قال: قد أخبر تعالى أن الشفاعة جميعها له، فمن طلبها من غير الله، فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضاه إلا ممن هي له، وإذنه فيها وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم.
وقفات مع أدلة الباب
وَقَوْلِ اَللَّهِ: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} .
يقول الله تعالى في هذه الآية: أنذر يا محمد وخوف بالقرآن , الذين يخافون أن يحشروا , ويجمعوا إلى ربهم - وهم المسلمون
-بأنه ليس لهم ناصر فينصرهم من دون الله، ولا شفيع يتوسط لهم , إذا علموا ذلك قال (لعلهم يتقون) فيستجيبون لأمر الله , ويستقيمون على دينه.
قال في تيسير العزيز الحميد: وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن الله , كما ادعته المعتزلة , بل فيها دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من المؤمنين , وعلى نفيها بغير إذن الله.
وَقَوْلِهِ: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} .
في الآية بيان أن الشفاعة كلها ملك لله , فلا تطلب من غيره. وكل من يشفع من الأنبياء , والأولياء , فإنما هو بإذن الله , كما في الآية التي ذكرها المؤلف بعد هذه الآية (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) .
وَقَوْلِهِ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} .
وَقَوْلِهِ: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) } .
في هاتين الآيتين بيان لشرطي الشفاعة , وهما:
1.إذن الله للشافع أن يشفع.
2.رضى الله عن المشفوع له.
قال في تيسير العزيز الحميد: وإذا كانت الملائكة المقربون لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذن الله ورضاه أن يرضاه أهلًا للشفاعة , فكيف تشفع الأصنام لمن عبدها؟!
وترتيب الآيات هنا يدل على فقه المصنف رحمه الله , ففي الآية الأولى والثانية بين أن الشفاعة ملك لله , وفي الثالثة والرابعة بين شروطها.
(1) فائدة: ذكر الشيخ حمد بن معمر أن الكفار الأولون يستشفعون بهم في قضاء الحاجات الدنيوية , وأما المعاد فكانوا مكذبين به , جاحدين له , وأما المشركون اليوم فيطلبون من غير الله حوائج الدنيا , والآخرة.
وقال ابن باز: أما من لم يؤمن بالآخرة منهم , فهم يعبدونهم ليشفعوا لهم في أمور الدنيا ومصالحها , من حصول الرزق , وما أشبهه , فمقاصدهم بالشفاعة مقاصد عاجلة.