فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 254

قال ابن القيم رحمه الله: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك , وأسبابه , وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن , والنهى بصيغتيه: صيغة (لا تفعلوا) وصيغة (إني أنهاكم) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقلَّ نصيبه , أو عدم عن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. فإن هذا وأمثاله من النبي - صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له , وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابًا لنهيه، وغرَّهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيمًا، وأشد فيهم غلوًا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.

ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عُبَّاد يغوث , ويعوق , ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن في طريقتهم , وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها , من العبودية , وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم.

وقال الشيخ سليمان بن عبدالله: ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة , لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع , لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم , فهم في قبورهم طريون.

وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ اِبْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - مَرْفُوعًا: (( إِنَّ مِنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ اَلسَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ , وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ ) ). وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ.

تخريجه: رواه الإمام أحمد , وأبو حاتم , وابن خزيمة , والطبراني.

وجود إسناده ابن تيمية , وابن القيم.

والشاهد: وصفُ النبي - لمن فعل هذا الفعل أنه من شرار الخلق عند الله، وهذا يقتضي التحذير من هذا الفعل.

قوله (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء) يرسل الله ريحًا قبل قيام الساعة فتقبض روح كل مؤمن , ثم تقوم الساعة على شرار الناس , كما جاء عند مسلم (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) .

20 -بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ اَلْغُلُوَّ فِي قُبُورِ اَلصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اَللَّهِ

رَوَى مَالِكٌ فِي اَلْمُوَطَّأِ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ - قَالَ: (( اَللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اِشْتَدَّ غَضَبُ اَللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت