فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 254

والتحقيق أن يقال: من جاء بالتوحيد التام حصل له الأمن والاهتداء التام، ومن تلبس مع توحيده بالمعاصي نقص في حقه من الأمن والاهتداء بقدر ما ارتكب من معاصٍ , لأنه من المعلوم أن طائفة من الموحدين سينالهم نوع خوف وعذاب , كأهل الكبائر.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ ) )أَخْرَجَاهُ.

تخريجه: متفق عليه.

والشاهد: أن من جاء بالتوحيد أدخله الله الجنة , وفي رواية في الصحيحين (من أي أبواب الجنة شاء) وهذا من فضائل التوحيد.

وهذا الدخول درجتان:

أ. إن كان التوحيد تامًا دخل الجنة ابتداءً.

ب. إن كان التوحيد ناقصًا دخل الجنة بعد أن يتطهر من الذنوب بالنار، أو بالمكفرات الأخرى.

ومعنى قوله: (على ما كان من العمل) المراد: العمل السيء وإن كان كثيرًا , أو الصالح وإن كان قليلًا.

مسألة: قال تعالى في سورة النساء (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وقال - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) .

والمعنى أن عيسى خُلق وكان بكلمة الله (كن) , لا أنه هو كلمة الله , لأن كلام الله من صفاته عز وجل.

وفائدة إضافة الكلمة لله من باب التشريف , إذ المضاف لله قسمان:

1.أعيان تقوم بنفسها: وهنا تكون الإضافة من باب إضافة المخلوق إلى خالقه , وهي على نوعين:

أ. إضافة خلق , كما في قوله تعالى (إن أرضي واسعة) وقوله تعالى (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه) .

ب. إضافة تشريف للمضاف ,كما في قوله تعالى (محمد رسول الله) و (وأنه لما قام عبدالله) و (ناقة الله) و (طهر بيتي) و (وروح منه) [1] .

2.أوصاف ومعانٍ لا تقوم بنفسها , وإنما تقوم بغيرها: وهنا تكون من باب إضافة الصفة للموصوف.

ومنه قوله تعالى (حتى يسمع كلام الله) .

وعليه فعيسى عليه السلام كغيره من البشر , إلا أن الله جعل في خلقه آية , إذ أنه ولد من أم بلا أب , كما قال تعالى (ولنجعله آية للناس ورحمة منا) .

(1) والحق أن الروح تقوم بنفسها , ولذا كان أصح الأقوال في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء في ليلة الإسراء والمعراج , أنه رأى أرواحهم , حيث ورد أنه صلى بهم في بيت المقدس , ثم رآهم في السماء , فيحمل ذلك على الروح , المتنقلة بسرعة , والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت