فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 254

سادسًا: عقوبة الساحر:

الساحر عقوبته في الدنيا القتل ردة، وهذا مذهب أبي حنيفة , ومالك , وأحمد , واختارته اللجنة الدائمة , وأما في الآخرة فالنار خالدًا فيها أبدًا، لأنه كافر [1] .

وأما من يستخدم الأدوية , أو التخييل , فلا يكفر بذلك , إلا إن صاحبه اعتقاد آخر يوجب كفره، ولكن يعزر تعزيرًا بليغًا، وقد يصل إلى قتله، ولو قتل في هذه الحال فإنه يقتل حدًا لا ردةً [2] .

سابعًا: وجه دخول السحر في الشرك والكفر من جهتين:

1.استخدام الشياطين , والاستعانة بهم , والتعلق بهم، والتقرب إليهم بالكفر.

2.ادعاء علم الغيب ومشاركة الله في ذلك. أفاده السعدي.

ثامنًا: حكم إتيان السحرة:

يأتي الكلام عن ذلك في باب ما جاء في الكهان ونحوهم , إن شاء الله تعالى.

(1) واختلفوا هل يستتاب قبل أن يقتل أم لا؟ على قولين:

أ. لا يستتاب: لأن الصحابة لم يستتيبوا السحرة الذين قتلوهم، ولأن علم السحر معنى في قلبه لا يزول بالتوبة.

قال ابن قدامة: لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحرًا.

وهذا مذهب مالك، والمشهور في مذهب أحمد , ورجحه في تيسير العزيز الحميد , واختاره ابن باز.

ب. يستتاب , فإن تاب خلي سبيله، لأنه ذنب لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب , وتقبل توبته , ولأن الله قبل توبة سحرة فرعون.

وهذا مذهب الشافعي , ورواية عن أحمد , اختارها ابن تيمية.

تنبيه: هذا الخلاف في إسقاط الحد عنه بالتوبة، وأما فيما بينه وبين الله , فإن كان صادقًا قبلت توبته.

(2) قال ابن قدامة: ويكفر الساحر بتعلمه , وفعله، سواء اعتقد تحريمه , أو إباحته. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر .. .. إلى أن قال: وقال أصحاب أبي حنيفة: إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء، كفر، وإن اعتقد أنه تخييل لم يكفر.

وقال الشافعي: إن اعتقد ما يوجب الكفر، مثل التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس، أو اعتقد حِلّ السحر، كفر، لأن القرآن نطق بتحريمه، وثبت بالنقل المتواتر , والإجماع عليه، وإلا فسق ولم يكفر، لأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبَّرة لها سحرتها، بمحضر من الصحابة. ولو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها، ولم يجز استرقاقها، ولأنه شيء يضر بالناس، فلم يكفر بمجرده، كأذاهم.

قال ابن قدامة: ولنا قول الله تعالى (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) إلى قوله (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) . أي: وما كفر سليمان، أي وما كان ساحرًا كفر بسحره.

وقولهما (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي: لا تتعلمه فتكفر بذلك.

إلى أن قال: وقول عائشة قد خالفها فيه كثير من الصحابة. وقال علي رضي الله عنه: الساحر كافر. ويحتمل أن المدبّرة تابت، فسقط عنها القتل , والكفر بتوبتها.

ويحتمل أنها سحرتها، بمعنى أنها ذهبت إلى ساحر سحر لها.

قال ابن قدامة: وحد الساحر القتل، روي ذلك عن عمر وعثمان بن عفان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبدالله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبدالعزيز. وهو قول أبي حنيفة ومالك.

ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر، وهو قول ابن المنذر، ورواية عن أحمد، قد ذكرناها فيما تقدم.

ووجه ذلك: أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرة سحرتها، ولو وجب قتلها لما حلّ بيعها، ولأن النبي - قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق. ولم يصدر منه أحد الثلاثة فوجب أن لا يحلّ دمه.

قال ابن قدامة: ولنا ما روى جندب بن عبدالله عن النبي - أنه قال (حد الساحر ضربه بالسيف) . قال ابن المنذر: رواه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف.

وروى سعيد وأبو داود في كتابيهما عن بَجالة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر. فقتلنا ثلاث سواحر في يوم.

وهذا اشتهر فلم يُنكَر، فكان إجماعًا، وقتلتْ حفصة جاريةً لها سحرتها. وقتل جندب بن كعب ساحرًا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة. ولأنه كافر، فيقتل، للخبر الذي رووه ... الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت