إن مدلول"الشريعة"في الإسلام لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده. والتحاكم إليها وحدها. والحكم بها دون سواها .. إن مدلول"الشريعة"في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية، ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه. إن هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول"الشريعة"في الإسلام!
إن"شريعة الله"تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك، وأصول المعرفة أيضًا.
يتمثل في الاعتقاد والتصور ـ بكل مقومات هذا التصور ـ تصور حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، غيبه وشهوده، وحقيقة الحياة، غيبها وشهودها، وحقيقة الإنسان، والارتباطات بين هذه الحقائق كلها، وتعامل الإنسان معها.
ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده.
ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع. وهو ما يطلق عليه اسم"الشريعة"غالبًا بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلوها في التصور الإسلامي.
ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك، في القيم والموازين التي تسود المجتمع، ويقوم بها الأشخاص والأشياء والأحداث في الحياة الاجتماعية.
ثم .. يتمثل في"المعرفة"بكل جوانبها، وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة .. باعتبار أن النشاط الفني تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته، وعن صورة الوجود والحياة في نفس إنسانية، وهذه كلها يحكمها ـ بل ينشئها ـ في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة، وعلاقتها ببارئ الكون والنفس والحياة! وبتصورها خاصة لحقيقة هذا الإنسان، ومركزه في الكون، وغاية وجوده، ووظيفته، وقيم حياته .. وليس هذا مجرد تصور فكري. إنما هو تصور اعتقادي حي مؤثر فعال دافع مسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني.
وفي هذا كله لا بد من التلقي عن الله سبحانه.
الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي:
إن الشريعة الإسلامية شيء، والفقه الإسلامي شيء آخر، وإنهما ليسا متساويين لا في المصدر، ولا في الحجية.
إن الشريعة الإسلامية ثابته لا تتغير .. لأنها المبادئ الكلية الأساسية لهذا الدين القيم الذي ارتضاه الله للناس كافة: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] . {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] . وقد كملت هذه الشريعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتهت إلى غايتها التي أراد الله لها الدوام أبدًا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3] وتقررت كذلك نظامًا للحكم، ودستورًا للعدل، لا مفر من اتباعه، ولا يُقبل من المسلم أن ينحرف عنه: