الصفحة 12 من 77

وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44] . {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] .

ولكن الحياة تندفع دائمًا إلى الأمام، وتتجدد حاجاتها ومطالبها وتتغير علاقات الناس فيها ووسائل العمل وطرق الإنتاج، وتبرز إلى الوجود أوضاع جديدة، ومشاعر جديدة، وأهداف جديدة، فكيف إذن يمكن لفكرة ثابتة أن تواجه حاجات وأحوالًا متجددة؟ وكيف يمكن لهذه الحاجات والأحوال أن تتحرك وتنمو في ظل فكرة ثابتة؟

هذا ما فطنت إليه الشريعة الإسلامية قبل كل شيء، فجاءت في صورة مبادئ كلية وقواعد عامة. ولهذا فالإسلام يملك أن يحافظ على مبادئه وخصائصه، وأن يسمح في الوقت ذاته ببروز صور شتى من المجتمعات كلها قائم على تلك المبادئ والخصائص. ومرد هذا إلى أن تلك المبادئ والخصائص، يحكمها ذات القانون الذي يحكم الفطرة البشرية، ويحكم الحياة الإنسانية، بل يحكم الوجود كله في الحقيقة. وهذا القانون يتضمن الثبات والاستمرار مع التطور والتحرر كجزء أصيل من كيانه .. وعندئذ لا يصطدم تطور البشرية الدائم بتلك الشريعة الثابتة ..

وفيما يخص بالتفريعات والتطبيقات التي يحتاج إليها المجتمع لمسايرة الحاجات الزمنية المتجددة لا يخرج عن أربعة احتمالات:

الأول:

أن تكون الشريعة قد نصت على حكم معين نصّا صريحًا، فهو إذن واجب التطبيق دون تحوير أو تبديل، لأنه في هذه الحالة إما أن يكون متعلقًا بركن أساسي من أركان المجتمع الإسلامي التي أُريد لها الدوام، لأنها أصيلة في كيان هذا المجتمع، مميزة له عما سواه من مجتمعات، كالنص على تحريم الربا، لأن الربا يتعارض تعارضًا أساسيًا مع القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي يريد الإسلام أن يقيم مجتمعه عليها، ولا سبيل إلى التوافق بينهما ولا إلى التعديل في تلك القاعدة الأساسية الأولى، وإما أن يكون متعلقًا بسمة أساسية من سمات هذا المجتمع أُريد تثبيتها والمحافظة عليها للمحافظة على هدف دائم في كل زمان ومكان كالنص على الحدود الإسلامية تحقيقًا لمبادئ أخلاقية معينة يراد لها الثبات في المجتمع الإسلامي، وإما أن يكون متعلقًا بمبدإ تشريعي لا يتغير أصله بتغير الزمان والمكان كالنص على وجوب كتابة الدين المؤجل ـ غير التجاري ـ والإشهاد عليه مع الكتابة، إلا أن يكون تجارة حاضرة فيجوز إثباته بشهادة الشهود، لأن في النص من الموافقة لأحوال التعامل ما يضمن صلاحيته واستمراره.

ونحن إذا تتبعنا الأحكام الثابتة في الشريعة وجدناها كلها تتعلق بمثل هذه المعاني فثبوتها إذن لا يعني الجمود، لأنه يتعلق بأهداف ثابتة.

الثاني:

أن تكون الشريعة قد جاءت فيه بنص أو نصوص قابلة للتأويل فيكون حينئذ قابلًا للاجتهاد ترجيحًا أو توفيقًا بين النصوص المختلفة إن كانت، أو بين النص الواحد والحالة المراد تطبيقه عليها، وذلك مع الاسترشاد بالتطبيقات العملية في صدر الإسلام إن وجدت، والاستعانة بأقوال الفقهاء في المسألة، ولكن دون التزام كامل بتلك التطبيقات أو بهذه الأقوال التي لم تكن إلا تلبية مباشرة لحاجات العصر الموقوتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت