المبدأ السابع: مبدأ من أين لك هذا؟ فإن حق الملكية الفردية مع أصالته في النظام الإسلامي، ليس مطلقا من كل قيد. إن الملكية الفردية لا تقوم إلا على أسباب صحيحة مشروعة. لا تخالف عن مبادئ الإسلام العامة في المال، ولا عن مبادئه العامة في الأخلاق كذلك. فهي لا يمكن أن تقوم على النهب والسلب والغصب والسرقة والرشوة والغش أو الربا أو الاحتكار .. وما إليها. لذا فمن حق الدولة المسلمة التي تطبق شريعة الله دائمًا أن تبحث عن أسباب التملك، وترى إن كانت مشروعة أو غير مشروعة. فإن كانت مشروعة فالملكية مضمونة لصاحبها مقيدة بالقيود التي أسلفنا. وإذا لم تكن صحيحة ولا مشروعة فالإسلام لا يعترف بوجودها من الأساس؛ ولا يترتب عليها حقوق الصيانة والمناعة التي يرتبها للملكية القائمة على أصل صحيح.
المبدأ الثامن: مبدأ شيوع الموارد العامة: وهذا معناه"تأميم الموارد العامة"قياسًا على شيوع الماء والكلإ والنار التي نص عليها الحديث بوصفها موارد عامة لا يجوز تحديدها بملكية خاصة، وبوصفها ضروريات للحياة يجب أن تظل مشاعة. ويدخل فيها"المعادن والفلزات والسوائل والمناجم والبترول .. الخ"ورد الملكية العامة في هذه المرافق إلى الأمة، فيه قضاء على سبب مهم من أسباب فقدان التوازن الاقتصادي في المجتمع، لأن هذه الموارد العامة تمثل قسمًا ضخمًا من الثروة العامة.
المبدأ التاسع: مبدأت تحريم السرف والترف: والإسلام لا يحب للناس الشظف والحرمان، بل يدعوهم إلى الاستمتاع بالطيبات، ويستنكر تحريمها والصد عنها، ويستنكر السرف والترف، لأنهما ليسا من تلك الطيبات المطلوبة الحلال. فالترف منكر في الإسلام لما يخلفه من انهيار وترهل في بنية الفرد وفي بنية الأمة، ولما يبثه من فساد وتعفن في كيان الفرد وفي كيان الجماعة. فالمترفون كانوا على مدار التاريخ هم أحد أسباب انهيار المجتمعات والشعوب.
المبدأ العاشر: مبدأ االزكاة: إن الزكاة فريضة تأخد ما يعادل 2,5 % من أصل الثروة كل عام. والدولة المسلمة هي التي تجمع هذه الفريضة؛ والدولة المسلمة هي التي تتولى إنفاقها بنظام معين. والزكاة فوق أنها عبادة من العبادات هي في جانبها المالي ضريبة كبقية الضرائب، تجبيها الدولة، ثم تنفقها في وجوه معينة، وهي ليست إحسانًا فرديا يخرج بعينه من يد ليعطى إلى يد.
وأخيرًا: فشرائع الإسلام ونظمه وحدة متكاملة متناسقة، وكل مبدإ من مبادئه يفضي إلى الآخر، حيث تلتقي كلها عند القاعدة الكلية للإسلام، فلا يجوز عند التشريع أخذ المسائل فرادى مبعثرة، بل ينبغي الرجوع دائمًا إلى القاعدة الكلية الشاملة. وهي أن الشريعة: تشمل كل جوانب الحياة، كما ذكرنا في تعريفها تفصيلا.
حاولت في هذه العجالة السريعة، أن أوضح بعض السمات العامة في الشريعة الإسلامية في جانب النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .. لتوضيح بعض الجوانب التي غفلت عن ذهن الكثيرين والتي اختزلت الشريعة في بعض الأحكام دون اعتبار ثباتها وشموليتها ودقتها وتوازنها وربانيتها. ولا أستطيع إحصاء جوانب الشريعة الإسلامية في كل مجالاتها في هذه الورقة ..
ولكن إلى الذين يتحدثون عن المبادئ هذه هي بعض من المبادئ .. ولا مبادئ من دون أحكام .. والأحكام واردة في كتاب الله وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ جملة وتفصيلا .. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ولا أحكام من دون نظام ومجتمع يخضع ابتداء لشرع الله إيمانًا وتسليمًا ورضى وقبول، دون العدول عن شرعه إلى شرع غيره أو اشراك أحد مع الله أو من دونه في التشريع والتحليل والتحريم.