والتشريع .. أي التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، والرضى بذلك التشريع شرك، لا شك فيه. ولكن الناس في قرنهم الأخير هذا قد جَهِلوا ـ أو جُهِلُوا ـ هذه الحقيقة الخطيرة .. فأما من وقفه الله فلن يغتر بدعاة الباطل، وعلماء السوء، وسيبقى على يقين أن الشرك في حقيقته ثلاثة أنواع رئيسية، كل واحد منها شرك، وكل منها ناقض"للا إله إلا الله":
الأول: يتعلق بالاعتقاد. وهو اعتقاد وجود آلهة تشارك الله سبحانه في النفع والضر، أو الإحياء والإماتة أو تدبير الأمر .. أو وجود شفعاء يملكون الشفاعة عند الله فيغيرون حكمه في السموات أو في الأرض.
الثاني: يتلعق بالعبادة، وهو توجيه أي مظهر من مظاهر العبادة لغير الله ـ معه أو من دونه ـ كالدعاء أو الاستغاثة أو النذر أو الذبح ..
والثالث: يتعلق بالتحليل والتحريم .. أي التشريع بغير ما أنزل الله، وإذن فليس عبدًا لله وحده من لا يعتقد بواحدانية الله سبحانه، قال تعالى: {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] ، وليس عبدًا لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله ـ معه أو من دونه ـ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، وليس عبدًا لله وحده من يتلقى الشرائع من أحد سوى الله، عن الطريق الذي بلّغنا الله به، وهو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7] .
وكما أن الاعتقاد بأنه ليس هناك إله، أو أن هناك آلهة مع الله، أو أن الإله هو الحجر أو القمر شرك وكفر يناقض"لا إله إلا الله"، وكما أن التوجه بالعبادة إلى غير الله شرك وكفر يناقض"لا إله إلا الله".. فكذلك قبول شريعة غير الله معه أو من دونه، والتحاكم إلى شريعة غير الله ـ إلا مع الإكراه والإنكار باليد أو اللسان أو القلب كما نص بذلك الحديث الشريف ـ كفر وشرك يناقض"لا إله إلا الله".
وإن الكفر بآية واحدة من آيات الله، كالكفر بالقرآن كاملًا ويخرج بها المرء من الإسلام بالكلية.
ولقد انتشرت دعوى أن الشريعة مُطبقة في أعقاب طلب بعض علماء الشريعة للإدلاء بشهاداتهم أمام القضاء في كثير من القضايا الإسلامية، وكان الدفاع يناقش هؤلاء الشهود في قضية الحكم بغير من أنزل الله، وإصرار التيار الإسلامي ـ حينها ـ على تكفير الأنظمة القائمة بناء على ذلك، فكانوا يجيبون بأن الكفر شرطه الجحود، ومادام حكامنا لم يجحدوا ما أنزل الله فهم ظالمون فاسقون فحسب! وهو قول بن عباس ـ رضي الله عنه ـ"كفر دون كفر"وسنتعرض إليه تفصيلًا، ثم طيرت هذه المقولة في الأمة وتناقلتها الصحف وغيرها من وسائل الإعلام، وهي وإن نفت الكفر إلا أنها أثبتت عليهم الظلم والفسق؛ لأنهم بقيامهم على الحكم بغير ما أنزل الله لا مخلص لهم من أحد هذين الوصفين: الكفر أو الظلم والفسق، ولم يقتنع المسئولون بهذه النتيجة، وكان لا بد من مخرج، ولا مخرج من هذا إلا بادعاء أن الشريعة مطبقة بالفعل، وأن ما يقرب من 95% منها قائم بالفعل، والباقي بصدد التطبيق بعد إعداد المناخ وتهيئة الظروف، وبالتالي لا كفر ولا فسق ولا ظلم!! وبهذا تم تحريف الكلم عن مواضعه، ويُشترى بآيات الله ثمنٌ قليلٌ لقاءَ عَرَض زائل ومتاع قليل! قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ