يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: 174: 176] .
وإن بعض الأنظمة المعاصرة تسلط عملاؤها وسفهاؤها على شرع الله وعلى حملة لواء الشريعة، ولا يألوا جهدًا في السخرية من أحكام الله والاستهزاء بآياته، فإذا دخلت في خصومة مع دعاة الإسلام الذين ينادون بإقامة الدين وتحكيم شرع الله تنادت بحد الحرابة وأحكام البغاة والخوارج ونحوه، لتستحل باسم الإسلام الذي تطارد دعاته، وترد شريعته إرقامة الدماء والتنكيل بالعباد، تحريفًا للكلم عن مواضعه، وتلبيسًا على الأمة، وتصبح الأنظمة وهي في مقام الرد لشريعة الله والمنكل بأوليائه في مقام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ويصبح المجاهدون من الدعاة وحملة الشريعة في مقام الخوارج والبغاة!!
وعمومًا قوانين العقوبات المصرية تتناقض برمتها مع شرع الله، أما القانون المدني فقد تم استمداده من أكثر من عشرين تقنينًا من التقنينات الغربية، وهو بشهادة واضعيه (يُمثل أصدق تمثيل للثقافة المدنية الغربية في العصر الذي نعيش فيه) أما عن الشريعة الإسلامية فقد قال عنها:"إن هذا القانون قد جعل للشريعة الإسلامية بعض الاعتبار".
2ـ شبهة قول بن عباس ـ رضي الله عنه ـ"كفر دون كفر".
على الرغم من وضوح قضية الحكم بما أنزل الله، في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجماع علماء الأمة قديمًا وحديثًا، فإن الأمر يختلط على بعض الناس حين يجدون في كتب الفقه أن من لم يحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا إذا كان جاحدًا، ويجدون ابن عباس رضي الله عنه يقول: أنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه. إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة. كفر دون كفر ..
يختلط الأمر عليهم فيحسبون قضية التشريع بغير ما أنزل الله أو الرضى بشرع غير شرع الله داخلة في هذا الحكم: كفر دون كفر. كفر لا يخرج عن الملة.
والذي يقوله الفقهاء عن الحكم بغير ما أنزل الله صحيح ولا شك. فليس كل من لم يحكم بما أنزل الله يعتبر كافرًا. فقد يكون متأولًا. وقد يكون جاهلًا بحكم الله في قضية بعينها. وقد يكون مدفوعًا بشهوة معينة كالقاضي المرتشي الذي يخالف حكم الله في القضية المعروضة عليه بتأثير الرشوة وهو عالم بما يفعل، فيكون عاصيًا فاسقًا ولا يكفر.
فكيف اعتبر مؤمنًا وهو لم يحكم بما أنزل الله .. ؟
السبب أنه ـ مع مخالفته لحكم الله ـ لم يجعل مخالفته شرعًا يَحكّمه بدلًا من شرع الله، ولم يقل إن حكمه هذا بديل يضاهي حكم الله أو يُفضّل على حكم الله. إنما موقفه كالسارق والزاني يخالف في العمل، ولكنه لا يُغّير في الشرع المنزل، ولا يضع بديلًا من عند نفسه لشرع الله.