الصفحة 37 من 77

العلوم التاريخية: وهي العلوم التي تدرس قيام الدولة الإسلامية أول مرة، ومراحل التاريخ الإسلامي وتاريخ الحضارات، وعوامل وسنن قيامها وانهيارها .. الخ.

وكل هذه العلوم وما يستجد منها، ما هي إلا أدوات الفقيه والشيخ والعالِم والداعية الجديدة التي يستخدمها في رؤية الواقع للوصول إلى كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية: التي هي: كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية، ويقوم بمقاصدها ويحقق أهدافها في هذا الواقع.

وغياب هذه العلوم عن الفقيه يحوله إلى جاهل أو بمصطلح العامة"درويش"يتلاعب به أصحاب النفوذ والسلطان ويستخدمونه لخدمة أوضاعهم وأهدافهم .. وهذه أشد جريمة وأخطرها في قضية الشريعة، أخطر من كل الغزو الاستعماري .. لأنه في حس الناس يظل الشيخ الذي يقول كلمة الله وكلمة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولأن الشريعة قضية عقيدة، فإن أي عبث بها يَمس معتقد المرء وإيمانه في الصميم. فلا أدنى تهاون ـ من أي نوع ـ فيها.

ويجدر بي هنا أن أشير إلى قضية يعتصر قلبي لها، وهي قضية الجهاد والمقاومة .. أغلب حركات الجهاد والمقاومة التي انطلقت لتحارب المستعمر، واتباعه .. تنطلق بكل قوة وعزم وبأس شديد تفتك بالعدو ـ رغم ضعف الإمكانيات والعتاد والخبرات ـ وتقدم بطولات رائعة، وعزيمة قوية جدًا، وغالبًا تنتصر حركات الجهاد والمقاومة، وتقدم التضحيات والبطولات بلا حساب .. تنتصر في المجال"العسكري"وإلحاق الهزيمة بالعدو، ثم تنهزم هزيمة نكراء ـ للأسف ـ في المجال"السياسي والاجتماعي والإعلامي".. فبعد تحقيق النصر العسكري الباسل والرائع، يأتي أحد من خلفهم ليسرق هذا النصر على طبق من ذهب .. ويحولهم إلى"أهل العنف والإرهاب"ويذهب بهم إلى غياهب التاريخ أو غياهب السجون!"الجهاد السياسي والاجتماعي"ساقط الذهن من حساب حركات المقاومة، ولا تجيد استخدام تلك"القوة الناعمة"والتي هي المرحلة التالية من ـ"القوة الغاشمة"ـ الجهاد العسكري. فحتمًا سوف تنتهي"المرحلة العسكرية"لتنتقل إلى"المرحلة السياسية"والجهل بها وبعلومها يُضيع عليها النصر، والتضحيات، والدولة .. وما"ثورة سوريا"منا ببعيد.

ولم أقصد بذكر تلك العلوم، أن يفقهها جميعًا المرء جملة وتفصيلا ـ إن فعل فهو خير عظيم ـ ولكن ما أقصده هو أهمية كل جانب من هذه العلوم ودوره في عملية الفقه والفهم والتطبيق، وكلٌ يُطلب في علمه بصورة متناسقة في حركة ربانية تدور مع الكتاب حيث دار، لا مع الشيخ أو الحزب أو الجماعة .. وتنطلق تدعو الناس إلى قيام دين الله في الأرض، بإقامة شرعه .. وفق فقه إسلامي حقيقي يفقه حقيقة الدين والناس والواقع والحياة.

والفقيه هو كالطبيب العام الذي يفهم كيف يعمل جسم الإنسان، فيدرس الطبيب الجهاز (العصبي ـ التنفسي ـ الهضمي ـ العظمي ـ التناسلي ـ الغددي ـ العضلي ـ المناعي .. الخ) ثم يدرس حالات الصحة والمرض والعلاج وكيف يكون العلاج مناسب للمريض، وكيف يختلف من مريض لآخر، وكيف يؤثر في المريض .. الخ. فلا يتعامل مع جسم الإنسان دون أن يفقه كل هذه الأجهزة وكيف تعمل وكيف تتناسق فيما بينها. وفي المسائل المتخصصة يُحوّل الطبيب العام إلى أهل الاختصاص في كل جهاز، لأنهم أكثر علمًا. وهذا هو نفس عمل الفقيه، يجب أن يفهم جسم المجتمع، والواقع الذي فيه .. ويفهم العلوم ـ التي ذكرنا جانبًا منها ـ بشكل عام، حتى يكون كل علم له اعتبار عند الرؤية والفهم .. فإذا أراد مسألة متخصصة، أحالها إلى أهل الاختصاص.

وبعد أن استسلم الجميع ابتداء لشرع الله وحكمه واستعلنوا عبوديتهم الواحدة لله تعالى بتوحيدهم لله في التشريع والتحليل والتحريم، ثم جاء الفقهاء الربانيين أصحاب العلوم التي ذكرناها .. كانت (الخطوة الثالثة) : وهي أسهل خطوة: فالناس لشرع الله مستسلمون أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت