الصفحة 52 من 77

وأدرك النظام حقيقة الأمر متأخرًا فخسر كل شيء بالتدريج، وبدأ باللعب مع كل الأطراف .. وبدأت المفاوضات، لما عين الرئيس المخلوع عمر سليمان نائبًا له، راح عمر سليمان يتفاوض مع مراكز القوى في الثورة وعلى رأسها الإخوان، ومع باقي التيارات التي استشعرت أن الثورة دخلت طريق اللاعودة فقررت المشاركة، ومع مجموع الشباب الذي دعى إلى الثورة.

ولأن انهيار المفاهيم والتيه في الطريق أخطر ما يواجه أي حركة إسلامية، لا سيما إذا كان يُفترض لها أنها ما قامت إلا لتقيم شرع الله ودينه في الأرض .. راح الإخوان إلى طاولة المفاوضات على مائدة عمر سليمان رئيس المخابرات .. وهذا أحد ملامح سقوط الوعي السياسي والإدراك لحقيقة أي حركة إسلامية! فما زالت الحركة الإسلامية لا تستطيع التمييز بين أعدائها، ولا تستطيع المفاصلة عنهم .. فتظن فيهم الخير كل مرة، ومن هذا الظن ينهزمون! والأشد من ذلك أنها قد تعرف عدوها، ثم تتراخى وترتعش وتتردد في التعامل معه، وتدعوه للمصالحة والتوافق! وتمد له باقة الورود، فيرد عليها بباقة البارود والنار .. وهذه ساذجة بالغة يجب أن تترفع عنها الحركة الإسلامية. فعدوها لا يتراخى أو يتردد أو يرتعش فعندما تسنح له أي فرصة ولو صغيرة .. يفتك بالحركة الإسلامية فتكًا شديدًا بلا أدنى رحمة.

هتف الشباب في الميدان:"لا حكماء ولا إخوان المطالب في الميدان"، وفشلت المفاوضات، وأدرك الإخوان الخطأ، واعتذروا بعدها.

بعد انهيار"جهاز مباحث أمن الدولة"بيوم، جاء نائب وزير الدفاع الأمريكي لمصر في زيارة عاجلة للوقوف على حقيقة ما يجري، وتم محو جميع الملفات، والاستعداد لقيام الجهاز باسم جديد وفق توصيات الجهاز نفسه. لم يسلم أحد من هذا الجهاز القذر، لكن كان له عناية خاصة وبالغة بتجفيف كل منابع المد الإسلامي الحقيقي، وتفريغه من الداخل .. وكانت تدريباته تتم في الخارج، وبرعاية أجنبية.

كانت أمريكا تضع شروطًا رئيسية لأي نظام حكم في مصر أيًا كان مسماه: الأول: الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. الثاني: أمن إسرائيل. الثالث: سيطرة رأس المال الأجنبي على اقتصاد مصر ليظل في فلك التبعية والاستذلال.

بنجاح ثورة تونس كانت كل المؤشرات السياسية والاجتماعية تشير إلى نجاح ثورة مصر .. ولكن لا بد أن تنجح بالطريقة التي ترتب لها القوى الكبرى.

ليعلم الجميع .. لسنا أشخاصًا تافهين، ولسنا كغيرنا في هذا العالم .. العالم يتربص بنا، ليست نظرية للمؤامرة .. ولكن نظرية للحضارة، نحن قلب العالم الإسلامي ومحوره، نحن موقعًا استراتيجيًا في قلب العالم، نحن نملك ثروات بشرية ومادية هائلة .. نحن نملك كل مقومات النجاح .. نحن نملك إذا أفقنا من هذه الغيبوبة أن نغير وجهه العالم والتاريخ والحضارة .. الغرب والقوى الكبرى يعرف ذلك جيدًا، يعرفه كما يعرف أبناءه! إلا نحن .. نظن في أنفسنا سوءًا .. نظن أننا حثالة العالم، وعالة عليه، نحسب أن حلمنا هو طعام وشراب، وإن كبر الحلم وعظم فهو الزواج، أو قد يقل عن ذلك فيصبح الحلم أن يجد المرء وسيلة مواصلات ترجعه من حيث أتى! وفي هذا قال مسؤول أمريكي:"نشعر بالقلق إذا انتظمت حركة المرور في القاهرة"على أساس أن الناس ستبدأ تفكر فيما يجري حولها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت