الصفحة 68 من 77

وبهذا قد يختلف موقفنا الواقعي والفقهي ـ وفيه سعة ـ حسب اجتهادنا ـ مثل المثال الوارد"الدستور"ـ بينما الجانب الاعتقادي منه لا خلاف عليه وليس فيه سعة فهو دين وهوية وولاء وبراء إذ هو على صورته هذه"دستور علماني"لا يُقر سيادة شرع الله، وأنه حق الله وعبودية له، ولا شرع سواه، وأن هذا الإقرار فوق الدستور وفوق الإستفتاء عليه. وبالتالي فهو مرفوض من الناحية العقدية والإيمانية حتى دون النظر فيه، ومشاركتنا ليست من باب"إضفاء الشرعية عليه"بل من جانب تمهيد طريق أو فتح باب أو إعلان راية لشرع الله، وإننا نستعلن ذلك بكل وضوح، وكما قلنا مرارًا لا مشاركة دون إيضاح الجانب العقدي والإيماني، وليس هناك أي شيء مقبول على حساب العقيدة.

لكن وجدنا ضبابية شديدة وتناقض عجيب في المشهد الواقعي، إذ أننا أمام"دستور علماني"تدافع عنه الحركة الإسلامية وتتبناه! وعلمانيون يرفضون دستورًا علمانيًا فيه ما يتمنون ويزيد؟! مما يُوضح تشابكات وتشعبات وبواطن أمور لا نعلمها!

فيبدو لي أنه كان نوعًا من"الدعاية المضادة"المدروس بعناية فائقة، دستور يرفضه العلمانيون بشدة رغم أن الدستور علماني! حتى يقتنع به الإسلاميون أنه إسلامي! ومثل ما قال بابا النصارى تواضروس عن المادة 219 الشارحة للمادة الثانية"مادة الشريعة الإسلامية"أنها مادة"كارثية"رغم أنها ليس لها أي قيمة عملية؛ حتى يقتنع المسلمون أنهم أمام مكسب تاريخي.!

وبهذا فالدستور تأيده أمريكا والعلمانيون من الناحية الأيدلوجية، أما المعركة القائمة فهي:

-معركة الحصول على النصيب في الدولة من جانب.

-معركة إفشال التجربة الإسلامية حتى ولو كان الإسلام فيها مجرد اسم من جانب ثانٍ.

-معركة إفشال مصر كدولة ـ بعد الثورة ـ لصالح المتضررين من الثورة داخل مصر وخارجها"من جانب ثالث."

-وتم قطع الطريق على المعركة من جانبها الأخطر والأهم"معركة الأيدلوجية .. معركة الهُوية والمصير".

والدستور وما سيأتي فيما بعد داخل ضمن هذه الحرب ووقودها! وفي هذه المعركة تشابكت المصالح مع طرف، وتناقضت مع طرف آخر، ويلتقي هذا مرة وذاك مرة، ولا ندري مَن مع مَن ضد من؟ لكننا لم نجد"معركة أيدلوجية"حول الدستور! وهي أخطرها وأهمها فهي معركة"الهُوية والمصير"! رغم خطورة جوانب المعركة الأخرى. إلا أنه تم قطع الطريق على هذه المعركة من البداية بإلغائها وجعل الدستور وقودًا للمعركة، وكان يجب أن يقف الإسلام في المعركة الأيدلوجية هذه وقفة الولاء والبراء والإيمان والكفر ويستعلن رايته ومنهجه بكل استعلاء لرايته فراية شرع الله راية لا تُستذل ولاتُنتكس ولا تنهزم: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} ] غافر:51] وإن كُنا على موعد مع أخطائنا البشرية فـ {تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} ] آل عمران:140] لكنها راية لا تختلط معها رايات أخرى ولا أيدلوجيات أخرى.

وفي ضجيج هذه المعركة تم تمرير دستور علماني بأيدي إسلامية .. وهذه خسارة فادحة لنا وكارثة حقيقية، وخسارة أخرى أننا سنصير نموذجًا دستوريًا وثوريًا وإسلاميًا لغيرنا .. والمسمى إسلامي والمحتوى علماني! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وما كان يجب أن يُلهينا ضجيج المعركة، عن فهم طبيعة الصراع وحقيقة الرايات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت