{فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]
{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"... وَمَنْ دَعَى بدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فهو من جُثَي جَهَنَّمَ، وإِن صَلّى وَصَام وَزَعم أَنْه مُسَلِم" (رواه أحمد، وصححه الألباني) وأشد أنواع الجاهلية: هي نبذ التحاكم إلى شريعة الله.
إن شهادة أن"لا إله إلا الله محمد رسول الله"تعني أول ما تعني: أنه لا خالق إلا الله ولا حاكم إلا الله ولا معبود إلا الله .. {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] .
وإن أول غاية وقصد بالحديث عن"شرع الله"هو سلامة الاعتقاد والإيمان والإسلام لدى المسلم .. ماذا يعتقد في دينه؟
إن قضية تطبيق شريعة الله ـ كما جاء بها الوحي متمثلًا في كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم. وقضية إيمان يُوجد أو لا يُوجد. وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق ثم هي ـ بعد ذلك لا قبله ـ قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة الله ونظام وأحكام.
فتطبيق شرع الله وحكمه أصله أنه حق الله ـ تعالى ـ على عباده، والدعوة إلى تطبيق شرع الله هي في أصلها حق الله، ومعنى العبودية لله سبحانه والاستسلام له ولحكمه بلا شريك.
وإذا كانت (الشعائر والعبادات) كالصلاة والصيام والزكاة والحج .. الخ هي القيام بفريضة الله على عباده، فإن قيام شريعة الله والولاء له سبحانه هو معنى العبودية والإسلام والتوحيد لله سبحانه.
وبذلك تكون الدعوة إلى تطبيق شرع الله لأنه أفضل من غيره دعوة خاطئه؛ لأنه حق الله أصلًا وأولى مقتضيات العبودية له. ومعنى الإسلام وشهادة التوحيد: هي الاستسلام لله وحده بلا شريك ابتداء، حتى قبل معرفة شريعته وحكمه.
أي أن الدعوة إلى تطبيق شرع الله ليست قائمة على أساس الاستحسان ولا على أساس الأفضلية، فهو حق الله ابتداء ومعنى العبودية له، وليس شيئًا اختياريًا يخضع لرأي أو مشورة أو أغلبية أو استحسان. فالمسلم يشهد أولًا بالاستسلام لله ابتداء، ولجميع شرعه وحكمه وأمره ونهيه ابتداء، والإيمان بكل ما جاء به الوحي ونزل به على نبيه صلى الله عليه وسلم .. بلا شريك في شرعه ولا حكمه.
لقد قال الله تعالى عن المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] والمنافقون: هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. وقد تركز كفرهم ونفاقهم في قضية التشريع. فبين الله تعالى أن إعراضهم عن شريعته وبحثهم عن شريعة أخرى، ينفي عنهم الإيمان جملة، وأنهم لا يؤمنون حتى ينبذوا تلك الشرائع التي يتوجهون إليها، ويعودوا إلى شريعة الله وحدها دون غيرها من الشرائع: