{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [سور النساء: 60] إلى قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة النساء: 65] .
{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} [سورة النور: 47، 48] .
فالحكم بما أنزل الله عقيدة لا يكون المسلم مسلمًا إذا تخلى عنها، وأن التشريع بغير ما أنزل الله، والرضى بشرع غير شرع الله هو شرك مخرج من الملة.
فالرضا بحكم الله هو الركن الركين في العقيدة .. والتحاكم إلى شريعة الله هو شرط العبودية الأول، والاحتكام إلى الكتاب والسنة ليس نافلة ولا تطوعًا إنما هو أصل الاعتقاد وصلب التوحيد ..
والتوحيد الذي هو الإقرار بتفرد الله بصفاته، والخلق والرزق والتدبير الكوني، دون الالتزام بمقتضى ذلك وهو اتباع حكم الله في كل شأن من شؤون الحياة .. لا ينفع صاحبه في النجاة يوم القيامة ولا يُغني عنه شيئا، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] .
فإننا كما نتلقى من الله شعائر التعبد فنتعبده سبحانه وتعالى بما تعبدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا، أي الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة والكبيرة سواء، لأن الله تَعَبدنا بتنفيذ شريعته كما تَعَبدنا بالصلاة والصوم والزكاة والحج، وكلها سواء.
وإذا أردنا تحقيق العبودية لله، فطريقنا إلى تحقيق عبوديتنا له سبحانه هو قبول شريعته عز وجل ورفض كل شريعة أخرى.
فشرع الله خير في ذاته، ولن يكون شرع العبيد يومًا كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة التوحيد، إنما قاعدة التوحيد أن قبول شرع الله وحده أيًا كان، ورفض كل شرع غيره أيًا كان، هو ذاته التوحيد وليس للتوحيد حقيقة سواه.
ولا يجتمع التحاكم إلى غير شريعة الله، أو رفض التحاكم إلى شريعة الله، لا يجتمع هذا وذاك مع الإسلام بأي حالٍ من الأحوال. ومن يرد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم.
فالمسلم يلتزم بمقتضى إسلامه أن يتّبع حكم الله في كل شأن من شؤون حياته، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ـ هذه واحدة، والثانية أن المسلم ملزم بمتابعة الرسول فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] . وهذا أمر عام في الأمر والنهي، والحلال والحرام وكذلك في الحكم والاحتكام، قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا