وصدق، وأن نستنبت ما في قلوبهم من بذور الخير، ونجُلي ما في نفوسهم من الفطرة السوية .. ولكن دون المساس بالمنهج ولا بالعقيدة .. وهكذا كانت دعوته صلى الله عليه وسلم.
8 -إن تطبيق الشريعة ليس هو راية حزبية، أو اتجاه جماعة، أو رأي شيخ .. بل هو هدف أي مسلم أن تكون"كلمة الله هي العليا"وهو هدف أي حركة إسلامية. وبعد أن تتشبع الحركة الإسلامية بكل أبنائها وأطيافها بهذا الهدف، يكون هدفها التالي: هو تشبع المجتمع كله بهذا الهدف، وبعد أن يتشبع المجتمع كله بهذا الهدف، تتشبع كل مؤسسات الدولة به، وبعد أن تتشبع كل مؤسسات الدولة، تتحول الفكرة إلى رؤية عالمية ذات رسالة حضارية لكل العالمين .. وهذه هي"الراية"التي يجب أن تتسلمها الأجيال وراء الأجيال.
9 -إننا وفي طريق وصولنا لهذا الهدف وهو تطبيق شرع الله، نمارس كل وسائل الضغط السياسي، والاجتماعي، والمشاركة الفعالة في حياة الناس والمجتمع من خلال كل مؤسساته الموجودة في هذا الواقع، ولا نعتزل هذا الواقع بحجة أنه واقع قذر لا يقوم على شرع الله .. بل هذا الواقع هو هدفنا، وهو مجال عملنا، وهؤلاء الناس هم موضوع الدعوة وهدفه الرئيسي والفعّال .. ولا موضوع للدعوة إلا رد الناس إلى شريعة الله، إيمانًا وتسليمًا .. حبًا وترغيبًا .. واقعًا حيًّا وطريق نجاة وحياة. ولكننا حين نمارس نشاطًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو أي مشاركة فعالة في حياة الناس .. إننا نستعلن أولًا رايتنا بلا أدنى غبش أو غموض أو تدليس، أو مداهنة الناس والترتيب على أهواءهم ورغباتهم، بل إننا نشارك مع استعلاء الراية، في منهجية واضحة .. ولا مشاركة من دون الراية"راية التوحيد .. راية شرع الله"وإلا فلا قيمة للمشاركة لأننا نبني في الفراغ، أو نحاول استنبات البذور في الهواء!.
10 -إذا كان هناك ضرورات واقعية قاهرة، وواقع سياسي معقد ومتشابك المصالح والمشارب والاتجاهات، وواقع اجتماعي مهلل ومفكك ويعاني ما يعاني من مشكلات .. تجعل قضية تطبيق الشريعة تأخذ مراحل متعددة من الضغط السياسي والشعبي، أو القبول ـ مكرهين غير باغين ولا عائدين مع الإنكار ـ أوضاعًا ما لا تتفق مع الشريعة، فإن هذا لا يعني إطلاقًا ـ بأي حال من الأحوال ـ أن يصل في حِس المسلم أن الشريعة غير ذات أهمية، أو أنها نافلة، أو أنها مستحيلة التطبيق، أو أنه يمكن العيش مسلمين من دونها .. فلابد من التأكيد والشرح والتوضيح التام الذي لا يحتمل أي تأويل .. سلامة لمعتقد المسلم، أننا في أوضاع استثنائية غير طبيعية تتطلب منا قبول هذا الوضع، وأن شرط قبولنا لأي وضع لا يتفق مع الشريعة الإسلامية:
أولًا: أن نشرح مكانة الشريعة في الإسلام على النحو الذي فصلناه سابقًا. واعتبار إنها إيمان راسخ، نعتقد به كمنهج لا بديل عنه.
ثانيًا: نشرح للناس بكل جلاء ووضوح تلك الظروف الاستثنائية حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وأنهم ليسوا في وضع طبيعي تستقيم معه حياة المسلم وهدفه ودوره ورسالته.
ثالثًا: أن نقول للناس بكل وضوح لا يحتمل التأويل الحكم الاعتقادي والإيماني في هذا الوضع الذي لا يتفق مع الشريعة؛ سلامة لمعتقد المسلم. ثم نشرح الظروف الواقعية التي تدفعنا للمشاركة والمضي في الحياة باحثين عن سبيل لقيام دين الله بقيام شريعته. وأننا لسنا بأي حال نضفي شرعية على أوضاع لا تتفق مع شريعة الله، بل مشاركة قائمة على قاعدة"الاكراه مع الإنكار"ولا مفر من المشاركة والتفاعل في حياة الناس وواقعهم .. فالناس: هم موضوع الدعوة. والواقع: مجال عملنا .. مهما كان هذا الواقع.