الصفحة 10 من 25

ولا يخفى على القارئ الكريم أن هذا التفضيل ينبغي أن يراعى عند النظر إليه أمران:

الأول: أن النظرة هنا إلى طبائع الشعوب والأجناس مجردة عما تأثرت به من أمور خارجة عنها، فمن استصلح بالشرع والدين يفضل من سواه ويعلوه بقدر ما قام فيه من دين. ومَن فضّلَ العرب إنما فضلهم لمكارم الأخلاق التي اتصفوا بها، وجاءت الشرائع بتميمها، فإذا التزم الناس بالشرائع فلا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى، والأصل أن الناس معادن [1] .

الثاني: أنه وصف عام وعند التفصيل ومقارنة الأفراد يشذ بعضهم، فقد تجد شخصًا من العجم يفضل بعض العرب في أخلاقه وصفاته، ولكن عند الإطلاق والتعميم فالعرب أفضل ممن سواهم.

والشاهد من هذا التقرير هو أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والأرض التي ينشأ عليها لها صلة وثيقة بأخلاقه وعاداته، وقد عرفت العرب هذه العلاقة منذ زمن بعيد، ولهذا كانوا يدفعون أولادهم إلى المراضع"لينشأ الطفل في الأعراب، فيكون أفصح للسانه وأجلد لجسمه وأجدر أن لا يفارق الهيئة المعدية وقد قال - عليه السلام - لأبي بكر - رضي الله عنه - حين قال له:"ما رأيت أفصح منك يا رسول الله". فقال: (وما يمنعني، وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد؟) فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات. وقد ذُكِر أن عبد الملك بن مروان كان يقول أضر بنا حُب الوليد لأن الوليد كان لحّانًا، وكان سليمان فصيحًا; لأن الوليد أقام مع أمه، وسليمان وغيره من إخوته سكنوا البادية، فتعربوا، ثم أدبوا فتأدبوا" [2] ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فرق بين من يتقلب في عيش لين الأعطاف رطب، وبين آخر تربى في بيئة شديدة وعرة، فذلل شظف العيش وركب صعبه، وقد قيل:

إنما الإسلام في الصحرا امتهد ... ليجيء ... كل مسلم أسد

فإذا شرف العرب لأخلاقهم وصفاتهم فالبيئة [الجزيرة العربية] هي التي ساعدت في صنع كثير من تلك الأخلاق والخصال التي تميز بها العرب [3] ، ولهذا كانت الجزيرة العربية أفضل من غيرها.

(1) جزء من حديث الصحيحين، انظر صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) 3381، وصحيح مسلم رقم 2526.

(2) انظر الروض الأنف، لعبدالرحمن بن عبدالله السهيلي، شرح حديث الرضاع 1/ 188، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية.

(3) ذكر الشيخ بكر أبو زيد في كتابه خصائص الجزيرة ص 63 - 66 ستًا وعشرين ميزة للعرب وجزيرتهم نقلًا عن كتاب أم القرى فلتراجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت