جزيرة العرب بين التشريف والتكليف 4 - 6
ومن مميزات جزيرة العرب التي جعلتها ذات حضارة رائدة متميزة، قيام دعوة إبراهيم عليه السلام بها:
هي الحنيفية عين الله تكلؤها فكلما حاولوا تشويهها شاهوا
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [1] (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [2] ، فاستجاب الله دعوته؛ وجعل في نسله من الأنبياء من يقوم بدعوة الحنيفية يحوطها ويرعاها ويتممها، فكان إسماعيل عليه السلام أبا العرب، ورسولهم، والمجدد الأول لملة إبراهيم -عليه السلام- وعن بنيه انتشرت بقايا الحنيفية في سائر أرجاء الجزيرة العربية، وصارت الحنيفية الديانة الرسمية لشبه الجزيرة العربية.
ولقد ظل العرب رواد حضارة نبوية مجيدة ردحًا من الزمن، ثم تقادمت بهم السنون، اندرست معالم حضارة التوحيد شيئًا فشيئًا، إلى أن جاء عمرو بن لحي الخزاعي واستورد عبادة الأصنام عن دين العماليق بأرض الشام [3] ، قال صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار) [4] ، وأورد"ابن إسحاق في السيرة الكبرى ... أتم من هذا ولفظه: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لأكثم بْن الْجَوْن: رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، لأنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان وسَيَّبَ السَّائِبَة وَبَحَّرَ الْبَحِيرَة وَوَصَلَ الْوَصِيلَة وَحَمَى الْحَامِي) " [5] ، وقال و"قال هشام وحدثني أبي وغيره أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده فكثروا حتى ملئوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق"
(1) البقرة: 126.
(2) إبراهيم: 37.
(3) انظر فتح الباري لابن حجر كتاب المناقب حديث رقم 3520، 6/ 669، طبعة دار السلام 1421.
(4) صحيح مسلم حديث رقم 2856.
(5) فتح الباري لابن حجر كتاب المناقب حديث رقم 3520 باختصار يسير.