ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد [1] والتماس المعاش فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلاّ احتمل معه حجرًا من حجارةِ الحرم، تعظيما للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت حبا للبيت وصبابة به، وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وإهداء البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه" [2] ."
غير أنه بقيت فيهم قلة على الحنيفية مستقيمون، كأمثال زيد بن عمرو بن نفيل، قال ورقة بن نوفل -وهو كذلك من المتألهين قبل البعثة دارسًا للكتاب- في رثائه:
رَشدت وأنعمت بن عمروٍ وإنما ... تجنبت تنورًا من النار حاميًا
بدَينِِك ربًا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
إلى قوله:
فأصبحت في دار كريم مُقامها ... تُعَلَلُ فيها بالكرامةِ ... لاهيًا
تُلاقي خليلَ الله فيها ولم تَكُنْ ... من النّاس جبارًا إلى النار هاديًا
وقد تُدرِك الإنسان رحمة ربه ... و لو كان تحت الأرض سبعين واديًا
وقد كان زيد يلتمس الحنيفية ملة إبراهيم،"فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة وقال أعبد رب إبراهيم ; وبادى قومه بعيب ما هم عليه" [3] .
وقد ثبت في صحيح البخاري"أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشأم يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم، فأخبرني. فقال:"
(1) في نهاية هذا المبحث خارطة تبين تواجد العرب في الجزيرة قبل البعثة ص 14.
(2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان 2/ 210، لابن القيم، بتحقيق محمد حامد الفقي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي 1357.
(3) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 253 - 254، الطبعة السابعة لدار الكتاب العربي 1420.