الصفحة 17 من 25

لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال: زيد ما أفر إلاّ من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدًا، وأنَّى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفر إلاّ من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدًا، وأنَّى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام، خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم. وقال الليث كتب إلي هشام عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معاشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيكها مئونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مئونتها" [1] "

ومن المتألهين قبل البعثة أيضًا أمية بن أبي الصلت الثقفي وهو القائل:

إنَّ آيات ربنا ثاقباتٌ ... لا يماري فيهنَّ ... إلاّ الكفورُ

كل دينٍ يوم القيامةِ عند اللـ ... ــــــــــه ... إلاّ دين الحنيفة ِ بورُ

وكان يرى ما آل إليه حال أهل الكتاب من الضلال ومن ذلك قوله:

فرأى الله حالهم بمضْيَعٍ ... لابذي مَزْرَعٍ ولا مَثْمُورا

فسناها عليهمُ غادياتٍ ... وترى مُزنهم خَلايا وخُورا

إلى آخر ما قال، غير أنه لم يسلم بعد البعثة النبوية حسدًا من عند نفسه. وما مضى يدل على بقايا سمحة كانت عند العرب، صقلت أذهانهم وجلت أبصارهم ليروا زيغ النصارى واليهود وما آلو إليه.

والخلاصة أن دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالإضافة إلى الجانب الروحي الذي عمرته بالعبادات التي شرعتها والشعائر والمناسك التي تركتها وبقيت آثارها إلى حين البعثة النبوية الشريفة، فقد أرست دعائم حضارة فذة، في مجالات الحياة كلها، وقد كان لها أثر كبير على

(1) صحيح البخاري، كتاب المناقب، حديث رقم 3828.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت