الأول: يقع عبادة، بأن يقصد الذابح تعظيمَ المذبوح له، والتذلُّل له والتقرُّب إليه، فهذا لا يكون إلا لله - تعالى - وصرفه لغير الله شرك أكبر، كمن يذبحُ للجنِّ من أجل السَّلامة من شرهم، أو شفاء المرضى، كما يفعله الكهان والمنجمون الذي يدعون العلاج، ويقولون للشاكي إليهم: اذبَحوا شاة أو نحو ذلك لأجل شفاء مريضكم، ولا تذكروا اسمَ الله عليه، فهذا شرك أكبر مُخرج من الملة، ومثله من يذبح لأصحاب القُبور كمن يذبح للسيد البدوي ونحو ذلك، أو كمن يذبح لعلي أو للحسين باسم الحسين أو للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو لجبريل كل ذلك شرك أكبر.
الثاني: أنْ يقعَ الذبح إكرامًا للضيف أو لوليمة العرس، فهذا مأمور به في الشرع، إمَّا وجوبًا أو استحبابًا؛ لقولِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) )؛ مُتفق عليه من حديث أبي هريرة، ولقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعبدالرحمن بن عوف: (( أَوْلِم ولو بشاة ) )؛ متفق عليه من حديث أنس.
الثالث: أنْ يقعَ الذَّبح للتمتُّع بأكله أو الاتِّجار به، فالأصلُ في هذا الإباحة؛ قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَاكُلُونَ} [يس: 71 - 72] .
فهذه هي الأنواع الثلاثة، فالأول شرك، والثاني مشروع، والثالث مباح.
-ما استدل به المؤلف:
• قوله - تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163] .
في الآية عدة أمور:
1 -قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي} الصلاة: قيل: المرادُ بها الدُّعاء، وقيل: المرادُ هنا الصلاة المعروفة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فالصلاةُ لله - تعالى - واللام في قوله:"لله"لام الاستحقاق؛ أي: صلاتي مستحقة لله.
2 -قوله:"وَنُسُكِي"، النسك: قيل: هو ما يتقرب به إلى الله - عزَّ وجلَّ - من الذبائح والقرابين، وهذا مَوطن الشاهد من إيراد المؤلف لهذه الآية، وقيل: المقصود به المناسك، وهو كل ما يُتعبد لله - تعالى - به، فيدخل فيه الذَّبح وغيره، والمقصود أنْ يكونَ النسك وهو التعبد بالذبح يكون لله - تعالى - هو المستحق للتعبد بذلك.
3 -قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} ؛ أي: إنَّ عمل حياتي وموتي كلٌّ منهما مُستحقٌّ لله رب العالمين، وتَقَدَّم أنَّ اللام في"لله"للاستحقاق.
4 - {لاَ شَرِيكَ لَهُ} فيه بيانُ انفراد الله - تعالى - بذلك لا شريكَ بذلك معه مخلصًا له ذلك.
5 - {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} ؛ أي: إنَّ هذا الإفراد والإخلاص هو ما أمرت به من الله - جل وعلا - {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ؛ أي: أول المبادرين المستجيبين لهذا الأمر؛ ليكونَ قدوةً لأمته بهذا التوحيد والإخلاص.
• قال المؤلف:"ومن السنة: (( لَعَن اللهُ مَن ذبح لغير الله ) )، نقول في الحديث عِدَّة أمور منها:"