فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 100

تعالى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} إنَّما كان ذلك بعدما رجع من غار حراء بعدما نزل عليه الملَك باقرأ، قال له: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} ، وسيأتي بيانُ هذه الآيات بإذن الله - تعالى - في الوجه الرابع.

الأمر الثاني: قال المؤلف"وبلده - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكة".

ولد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مكة، ونشأ فيها، ولم يَخرج منها إلاَّ تلك الأيام التي أرضعته حليمة السعدية بنت أبي ذؤيب السعدية في بادية بني سعد، ثم رجع إلى مكة في حضانة جده عبدالمطلب ثم عمه أبي طالب؛ لأنَّ أمه آمنة بنت وهب ماتت وعمره ست سنين، وبعدما أوحي إليه وهو في سن الأربعين بَقِيَ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد؛ حيث بعثه الله - تعالى - بالنِّذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، دلَّ على ذلك قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] .

الوجه الرابع: وقفة مع آيات المدثر:

هذه الآيات التي جاء بها المؤلف - رحمنا الله وإياه تعالى - فيها دلالة على الأمر بنشر التوحيد، والبدء بالدَّعوة إليه، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} ؛ أي: يا أيها المتدثر بثيابه والمتزمل بها قم فأنذر قومك مما هم عليه من الإشراك والبعد عن الله - عزَّ وجلَّ - روى جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رَسُولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: (( فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوتًا مِنَ السمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَاسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرْسِي بَيْنَ السمَاءِ وَالأَرْضِ ) )، قال رَسُولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُوني زَملُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] ؛ متفق عليه، وهذا فيه بيانُ أن {يا أيها المدثر} ليست أول ما أنزل، وإنَّما {اقرأ} .

قال تعالى: {قُمْ فَأَنْذِرْ} ؛ أي: انهض وخوِّف المشركين، وادعُهم وحذرهم من العذاب، وأنَّهم إذا لم يدخلوا في التوحيد فإنَّهم لا بد أنْ ينالهم من عذاب الله ما ينالهم؛ لأنَّ قوله:"فأنذر"النِّذارة لا بد أن تكون من شيء مَخُوف وشيء فيه عذاب وعقاب.

ثم قال بعد ذلك: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} ؛ أي: عظمه بالتوحيد، وصِفْهُ بالكبرياء والعظمة - جل وعلا - وأنه أجلُّ وأكبر من أنْ يكونَ له شريك كما يقول الكفار.

ثم قال: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ، وهذه الآية اختلف المفسرون فيها على تفسيرين:

قيل: كما أورده المصنف؛ أي: طهرها من أنجاس الإشراك مع الله - عزَّ وجلَّ - والبعد عن التوحيد إلى التوحيد وإلى عبادة الله - عزَّ وجلَّ - وإفراده بالعبادة، وبه قال جمهور المفسرين.

وقيل: المقصود الطهارة الحسية؛ أي: ثيابك الملبوسة طهرها، وبه قال بعض المفسرين كابن جرير الطبري والشوكاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت