الصفحة 49 من 59

وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يبكي:"وددت أن عملي كله مثل عمله يومًا واحدًا من أيامه، وليلة واحدة من لياليه، أما ليلته، فالليلة التي سار مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغار، فلما انتهيا إليه، قال: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فمسحه، فوجد في جانبه ثقبا، فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان، فألقمهما رجليه ثم قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أدخل"فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسقطت دموعه على وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"مالك يا أبا بكر؟"قال"لدغت، فداك أبي وأمي"فتفل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فذهب ما يجده، ثم انتقض عليه [1] وكان سبب موته [2] ."

هل عرف التاريخ مثل هذه التضحية؟! وهذه المحبة؟! إنه حب فريد من نوعه، حب الصديق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ينبع من إيمان عميق، وإخلاص شديد، واعتقاد وجوب محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذاتًا ورسالة - وتقديم هذه المحبة على حب النفس والولد، حيث لا يكتمل إيمان العبد إلا بهذه المحبة، فاللهم ارزقنا محبة رسولك عليه الصلاة والسلام.

(1) انتقض الجرح بعد برئه أي فسد.

(2) جامع الأصول ج 8 ص 605 حديث رقم 6426.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت