الصفحة 17 من 25

1.تذكر الله عزوجل {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ} ، والنتيجة كانت {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} ، فهذا"يوسف الشاب الأعزب ذو الجمال الخارق والحسن الباهر، يعيش في قصر العزيز مع امرأته التي لم تزل في شبابها وحسنها، وزوجها مشغول في وزارته، بالإضافة إلى تسيب وانحلال في المجتمع كله، وخصوصًا في هذه الطبقة المترفة الحاكمة، وكما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، كان في الرجل نوع دياثة، لتركه امرأته تفعل ما تشاء وتخلو بمن تشاء، ورغم علمه بما وقع تركها ثانيًا، تفعل ما تشاء وتخلو بمن تشاء، وواضح أيضًا من سياق القصة أن المرأة كانت مسموعة الكلمة، لأمرها شأن، تستطيع الضغط على زوجها وغيره من رجالات الدولة بطريقتها الخاصة، حتى ينفذون ما تريد ولو كان إلقاء البريء الطاهر الكريم في السجن بضع سنين، فهي امرأة ذات منصب وجمال، تزينت وتهيأت وغلقت الأبواب، ودعت يوسف ـ - عليه السلام - ـ إلى نفسها إلى الفاحشة والعياذ بالله، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} ، فسرها غير واحد من السلف: هلم لك، تقول أنا لك، تعال إلى من تُمَلِّكُكَ نفسها، وهي ذات المنصب والجمال، وعلى القراءة الأخرى: هئت لك، أي: تهيئت لك. ومعنى القراءتين متلازمين، فهلم لك وتعال، ملازم لتهيأت لك وتزينت لك، هو فتاها الذي تملكه في عرف الناس، والعادة أن المرأة لا تكون طالبة، ومع ذلك هي تطلبه وتُمَلِّكُهُ نفسها وعرضها لها، أيُّ فتنة أعظم من هذه الفتنة؟ مع شدة حاجة يوسف إلى الأنيس في غربته، وإلى المرأة في عزوبته وشبابه، والأبواب مغلقة، والخلوة تامة، والرجل حتى لو حضر، فرد الفعل المنتظر لا يهدد بالخطر، ومع ذلك كان الجواب المباشر {مَعَاذَ اللّهِ} الالتجاء إلى الله، والاحتماء بجنابه، والتحصن بعصمته، فوالله لا ينجي من هذا الموقف إلا الله سبحانه، لاستعاذة يوسف فأعاذه الله من شر هذه المرأة، وصرف عنه السوء والفحشاء، وصرف عنه شر الشهوة المحرمة، وهذا أقصر الطرق وأيسرها للشباب في مواجهة فتنة الشهوات. [1] "

2.الهروب من المكان الذي أنت فيه {وَاستَبَقَا الْبَابَ} ، أو تغييره:

وتأمل في جذب المرأة قميص يوسف من خلفه، حتى قدته ـ أي: شقته وقطعته ـ، تحاول شدّه إليها لتنال الشهوة المحرمة، كيف أعمتها الشهوة إلى هذا الحد من الطلب، مع أن فطرة المرأة تأبى مثل هذا لو كانت سوية، ولكن كما قيل: حبك الشيء يُعمي ويُصم، وتمزيق القميص دليل على أنها جذبة شديدة جدًا، فقد فقدت المرأة صوابها، وغاب عنها عقلها، بل وحسها، فإن زوجها قد كان بالباب، ولا شك أن دخول عزيز مصر إلى قصره، يكون معه الجلبة المعهودة في دخول العظماء والكبراء إلى قصورهم، ومع ذلك لم تشعر بشيء من مقدمات وصوله، لأن الشهوة كانت مسيطرة.

(1) تأملات إيمانية في سورة يوسف ص 63 - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت