الصفحة 62 من 72

و قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ فَإِنَّ مِنْ رَفْعِهِ أَنْ يُقْبَضَ أَصْحَابُهُ , وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعُ وَالتَّنَطُّعُ , وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ , فَإِنَّهُ سَيكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقْوَامٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ , وَقَدْ تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ» [1]

وقال الحسن البصري: كانوا يقولون: «مَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ» [2] .

ولَمَّا مات زيدُ بن ثابت - رضي الله عنه - قال ابن عباس - رضي الله عنهما: يا هؤلاءِ، مَن سرَّه أن يتعلمَ كيف ذَهاب العلم فهكذا ذهابُ العلم، وايْمُ الله، لقد ذَهَبَ اليوم عِلْمٌ كثير، يموت الرجل الذي يعلم الشَّيء، لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه - ويُشير إلى قبر زيد - ويقول: لقد دُفِن اليوم عِلْمٌ كثيرٌ [3] .

وكان يحيى بن معين شديدَ الحرْص على لقاء الشيوخ، والسماع منهم؛ خشية أن يَفُوتوه.

وعن أبي أُمامة - رضي الله عنه - أنه قال: عليكم بهذا العلم قبل أن يُقبض، وقبل أن يُرْفع.

وكان أحدهم يحزن، ويصيبه المرض إذا فاتَه شيءٌ من العلم، ومِن ذلك أن شُعبة ذكروا له حديثًا لم يسمعه، فجعل يقول: واحُزْناه.

وكان يقول: إنِّي لَأُذَكَّر الحديث، فيفوتني، فأمرض.

وقال مالك بن يَخَامر: لما حضرتْ معاذًا الوفاةُ بكيتُ فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العِلْم والإيمان اللذين كنتُ أتعلمهما منك.

سادسًا: أن تعلمَ أيها المُنْصَرِف عنْ طلَب العلم الشرعي أنَّك من أحُمْق الناس وأغبيائهم - عافاني الله وإياك من ذلك:

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: الناسُ ثلاثة: عالِم ربَّانِي، ومتعَلِّم على سبيل نجاة، وهَمَج رِعاع، أتْباع كل ناعِق، يَمِيلون مع كلِّ ريحٍ، لَم يسْتضيئوا بنور العِلْم، ولم يلْجَؤُوا إلى رُكْنٍ وثيق.

فقسَّم - رضي الله عنه - الناس إلى ثلاثة أقسام: عالم رباني، ومتعَلِّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، والهمَجُ من الناس - عافاني الله وإياكم أن نكونَ منهم - هم حمقاؤُهم وجهَلَتُهم، الذين لا يُعتَدُّ بهم.

وَوَصَفَهُم - رضي الله عنه - بأنهم: أتْباع كل ناعق؛ أي: مَن صاح بهم ودعاهم تبِعُوه، سواء دعاهم إلى هُدى، أو إلى ضَلال، فإنهم لا عِلْم لهم بالذي يُدْعَوْن إليه: أحق هو أم باطل؟

وقال أبو الدَّرداء - رضي الله عنه: العالِمُ والمتعَلِّم في الخير شريكان، وسائر الناس هَمَج، لا خير فيهم.

(1) - المدخل إلى السنن الكبرى (1/ 272 رقم 388) و ابن عساكر (33/ 52)

(2) - اخرجه الدارمي في سننه (1/ 351 رقم 333) [وقال محققه -حسين سليم أسد-: إسناده صحيح.] وجامع بيان العلم (1/ 595 رقم 1021)

(3) - ابن أبي شيبة (3/ 45 رقم 11984) والحاكم في المستدرك (3/ 484 رقم 5809 و 5810)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت