حاجة إليها مع ما ذكرناه من السنن الصحيحة المتظاهرة (3) ·
واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
أولًا: قوله تعالى: وما عَلَّمْتُم من الجوارح مُكَلّبين (4) ·
وجه الدلالة: أن الله تعالى أباح أكل ما أمسك الكلاب عليه ولم يشترط غسلًا (5) ، ولو كان نجسًا لأفسَد ما صاده بفمه ولما ورد الشرع بإباحته (6) ·
قال الماوردي: فأما الجواب عن استدلالهم بإباحة الاصطياد به فهو أنه لا دليل فيه لأن النجس قد يجوز الانتفاع به في حال كالميتة · وأما موضوع فمه من الصيد فقد اختلف أصحابنا فيه، فذهب جمهورهم إلى نجاسته وتفرد بعضهم بطهارته، لأن الآية وردت بالإباحة، فلو حكم بتنجيس ما أصابه بفمه لخرجت عن الإباحة إلى الحظر، لأن لعابه يسري فيما عضه من الصيد، فلا يمكن غسله فصار معفوًا عنه وليس ينكر أن يعفى عن شيء من النجاسة للحوق المشقة في إزالته كدم البراغيث وأثر الاستنجاء (7) ·
وقال ابن قدامة: وقولهم: إن الله تعالى أمر بأكل ما أمسكه الكلب قبل غسله · قلنا: الله تعالى أمر بأكله، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسله، فيعمل بأمرهما، وإن سلمنا أنه لا يجب غسله فلأنه يشق فعفي عنه (1) ·
ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها؟ فقال: (لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور) (2) ·
وجه الدلالة: قالوا: دل هذا الحديث على طهارة الكلب من وجهين:
أحدهما: أنه جمع بينه وبين السباع، فلما كان السبع طاهرًا كان ما جمع إليه في الحكم طاهرًا ·
والثاني: أنه جعل ما بقي من شربه طهورًا، وقد يكون الباقي قليلًا، ويكون الباقي كثيرًا ·
والجواب عنه: أن الحياض كثيرة الماء في الغالب وتنجيسها بالولوغ لا يحصل، ثم الولوغ فيها ولو كانت قليلة المياه شك، والشك لا يوجب التنجيس (3) ·
ثالثًا: القياس على سائر الحيوان في عدم غسل الإناء من ولوغها كالنمر (4) ·
والجواب: أن الشرع فرّق بين الكلب وغيره في ذلك ·