الصفحة 6 من 48

واضحة، ولا ينكر ذلك إلا غائب عن الوعي الفكري أو الثقافي، أو غير دارس لواقع المجتمعات والشعوب الإسلامية،، حتى تلك المقولة التي كان يرددها البعض حول"لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين"أصبحت شيئًا من الماضي الذي يجب أن لا يلتفت إليه للآن البحث في علاقة الإسلام بالسياسة من حيث المنشأ، أي هل في الإسلام سياسة؟! بحث سبقته الأحداث والوقائع.

بيإن الممانعة أو الرفض لفكرة علاقة الإسلام بالسياسة لا تأتي إلا من غير مدرك لحقيقة الإسلام ودوره ورسالته في الحياة، وأنه لم يطلع على الإسلام بشموليته ـ وهذا في أحسن الأحوال ـ أو تأتي الممانعة من"غير راغب"في أن يجد للإسلام موضعًا في سياسة الأمة وإدارة شؤونها إما حفظًا لمصالح ذاتية أو استجابة لرغبة خارجية، أو صاحب موقف معاد الإسلام، وقد عاب الله سبحانه وتعالى على اليهود حين أخذوا شيئًا من الدين وتركوا شيئًا أخر، فقال تعالى"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" (2) .

ولسنا بحاجة إلى إثبات علاقة ألإسلام بالسياسة، فقد اجتهد علماء الأمة وفقهائها في العصر المتأخر، وبينوا ذلك بصورة جلية. (3)

ولعل مما يمكن الاستشهاد به هنا للتأكيد على توافق السلف والخلف على أهمية النظام السياسي في الإسلام قول الإمام الغزالي:"إنه لا يتمارى عاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت الأحوال، ما لم يكن لهم رئيس مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا جميعًا، فإن السلطان ضروري لنظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعًا، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع قطعًا" (4) .

ويقول الماوردي:"إن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزًا في العقل ألا يرد التعبد بها؛ ولذلك فوض الشرع الأمور إلى وليه في الدين" (5) .

وقال ابن تيميه:"يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عن الاجتماع من رأي، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"رواه أبو داوود." (6) .

ويقول القلعي:"أجمعت الأمة قاطبة إلا من لا يتعد بخلافه على وجوب نصب الإمام على الإطلاق وإن اختلفوا في أوصافه وشرائطه" (7) .

ويقول ابن خلدون:"إن الشارع أعلم بمصالح الكافة حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع البشري، ولذلك أجراه على منهاج الدين ليكون محوطًا بنظره" (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت