الصفحة 19 من 48

وحتى عندما تحول النظام السياسي الإسلامي ـ عبر مراحله التاريخية ـ من خلافة راشدة إلى ملك (عضوض) أو (جبري) بقي يحمل أسم النظام السياسي الإسلامي.

ولعل في كلا الحديثين دلالة أخرى على أن المقصود بكلمة (الخلافة) هو المحتوى و المنهاج وليس المصطلح، إذ حُددت مدة الخلافة بثلاثين سنة، ولم يقل أحد من الفقهاء أن المرحلة التاريخية بعد تلك (الثلاثين سنه) ، والتي غاب فيه منهاج الخلافة وطبيعتها، وإن لم يغب اسمها ـ لم يقل أحد ـ أنها لم تكن إسلامية، بل إن الحديث الذي رواه أحمد، والذي بشر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعودة الخلافة، أشار إلى أنها ستكون (على منهاج النبوة) .

إن ذلك لا يعني رفض فكرة النظام الإسلامي، من خلال رفض فكرة الخلافة ـ كما فعل البعض ـ ولكن تأكيدا على وجود هذا النظام ومرونته وقدرته على تلبية حاجة المسلمين في نظام سياسي قائم على قواعد الإسلام دون اشتراط أن يحمل أسم الخلافة، إذ الوقوف عند الاسم قد دفع بالرافظين لفكرة النظام السياسي الإسلامي، إلى رفض الفكرة انطلاقا من رفضهم لصورتها التاريخية المتمثلة بـ (الخلافة) ، خاصة حين يعمد هؤلاء إلى انتقاء مراحل تاريخية معينة، غابت فيها روح النظام السياسي الإسلامي (الخلافة) وأهدافه وغاياته ليظهروها على أنها النموذج التطبيقي للخلافة!!

ثالثًا: دولة دينية أم مدنية؟:

هذه المسألة من المسائل التي اختلط فيها الفقه بالتاريخ، بل طغى الجانب التاريخي كثير على الجانب الفقهي، وعلى الرغم من المحاولات التي بذلها الفقهاء والباحثون المسلمون في العصور الأخيرة لبيان الأمر إلا أنه مازال شائكًا ومختلطًا، ولعل مرجع ذلك عائد إلى أمرين: -

الأول: قياس النظام السياسي في الإسلام بما كانت عليه أوروبا خلال القرون الوسطى وما تلى ذلك من سيطرة الدولة الدينية أو الدولة"الثيوقراطية"أو دولة الحكم الإلهي التي استمرت إلى عهود قريبة، وسيطر فيها رجال الدين المسيحي سيطرة تامة على شؤون الدولة، وساسوها بما يخالف القواعد العامة لأي نظام حكم من إقامة العدل والمساواة والحرية وغيرها من المبادئ السياسية، فأعطوا صورة سيئة عن هذا النظام في الدول الغربية، ولذا قامت الثورات على الكنيسة لا بسبب دورها الديني بل بسبب دورها التاريخي حتى تراجعت المسيحية داخل أسوار الكنائس ولم يعد لها شأن في الحياة عدا أن يكون لها شأن في السياسة.

أما في النظام السياسي الإسلامي فلا توجد سيطرة لرجال الدين لأن هذه الفئة (رجال الدين) غير موجودة في الإسلام حتى تتحكم بشؤون الدين أو الدولة، هناك من يتفقه في الدين من الفقهاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت