و الواضح من الأدلة أن مفردات الخلافة أو الاستخلاف التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية لا تشير إلى المعنى السياسي للكلمة، و إنما تعطي معاني عامة يمكن الاستدلال منها على ذلك المعنى، و هذا ما فعله المفسرون، و يستفاد من ذلك أن النصوص لا تسعفنا لتحديد اسم النظام السياسي في الإسلام لكنها تضع لنا الأطر و القواعد العامة التي يمكن من خلالها تحديد طبيعة هذا النظام.
و ربما كانت الأدلة من السنة أكثر تحديدًا في استخدام كلمة"الخلافة"إذ وردت هذه الكلمة في بعض الأحاديث النبوية الشريفة.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده قال:"حدّثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثني داود بن إبراهيم الواسطي حدثني حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال كنا قعودًا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان بشير رجلًا يكفّ حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبرية"
فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت""
و روى الإمام أحمد في مسنده قال:"قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملكًا بعد ذلك". (31)
و روى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملكًا بعد ذلك" (32)
قال أبوداود في شرحه للحديث"قال المناوي: أي بعد انقضاء زمان خلافة النبوة يكون ملكا لأن اسم الخلافة إنما هو لمن صدق عليه هذا الاسم بعمله للسنة والمخالفون ملوك لا خلفاء , وإنما تسموا بالخلفاء لخلفهم الماضي". (33)
والواقع أن هذين الحديثين هما أوضح ما ورد في السنة من الإشارة إلى كلمة الخلافة و قد تكررا في سنن أبي داود و مسند الإمام أحمد بن حنبل، لكن كلا الحديثين لم يشيرا الى أن هذه الكلمة هي المعبر الوحيد عن النظام السياسي الإسلامي، فقد أشار كلا الحديثين إلى أن مرحلة ما بعد الخلافة يكون الأمر (ملكا عاضا) أو (ملكا جبريا) وفي كلا الحالتين لم ينف عنهما صفة (الإسلامية) وإن لم يقر أيًا منهما، لا باعتبارهما (مصطلحهما) أو إسمهما ولكن باعتبار محتواهما،